كان علينا أنا وزميلي أن ننهي بعض المعاملات في إحدى الدوائر الحكومية وبعدها توجهنا إلى الصندوق لدفع الرسوم المستحقة وهناك وجدنا الأمر العجاب، أعداد كبيرة من البشر تنتظر في طوابير طويلة في انتظار دفع الرسوم في نهاية يوم متعب ومرهق، والمحاسب الجالس أمام صندوقه المليء بالدراهم يصرخ ويزبد ويرغي طالبا من الجمهور الابتعاد قليلا عن الشباك حتى يستطيع أن يتنفس وعندما ازداد غضبه خرج من عرينه بحجة تدخين سيجارة والراحة قليلا، وبعد ساعة جاء دوري فناولته الأوراق والنقود فنظرتي والشرر يتطاير من عينيه.

وقال: هل تعتقد أنني بنك أو مكتب صرافة يا أستاذ؟ لما لا تحضر المبلغ المطلوب بالضبط؟ من أين سآتيك ببقية النقود؟ قلت له انظر في صندوقك فهو مليء بمختلف الفئات من العملة فيمكنك أن تعطيني الباقي منه بكل سهولة، فصرخ ثانية: هل تريد أن تعلمني شغلي أيضا، فأنا اترك نقود كل معاملة لوحدها حتى يسهل علي مراجعتها وتدقيقها، فعدت وقلت له يا أخي أنا مسامحك بالباقي ولكن انهي معاملتي بعد إذنك، فكشر عن أنيابه وقال: هل تريد أن تتصدق علي أم ترشينا؟ فقلت له حاشى لله، وهنا تدخل زميلي وأنقذ الموقف ودفع عني المبلغ المطلوب بالضبط فانصرفنا ونحن نرثي لحال العشرات من المراجعين الذي ينتظرون دورهم.

وفي المساء توجهت وزميلي إياه إلى إحدى محلات الحلويات لشراء بعضها للأولاد وبمجرد أن وضعنا أرجلنا باب المحل سمعنا التهليل والترحيب وكل عبارات الود وكأننا من بعض أهل صاحب المحل الذين لم يشاهدهم منذ أمد بعيد، ولما اقتربنا منه أخذتنا الدهشة واسقط في أيدينا، فإذا هو الشخص نفسه أمين الصندوق في الدائرة الحكومية، فنظرت إلى صديقي وهو يكاد يقع على الأرض مغشيا عليه من شدة الضحك ويتمتم «شر البلية ما يضحك» وصاحبنا لا يعرف سر ضحكنا ودهشتنا، ثم أخذنا حاجتنا بعد أن أضاف لها بعض قطع الحلوى هدية منه للأولاد وأصر على توديعنا إلى خارج المحل مصحوبين بأفضل مما استقبلنا به من بشاشة وهو يطالبنا بتكرار الزيارة حيث سنجد كل ما يسرنا في الزيارات القادمة.

بعد أن خرجنا من المحل قال لي زميلي دعنا نلقي بكل من نحمل في اقرب حاوية للقمامة لتأكلها القطط والكلاب، فأنا لا أريد أن اطعم أولادي من صنع ذلك الرجل فصورته الأولى لا يمكن أن تمحي من ذاكرتي ولن يفلح القناع الذي كان يرتديه من تغيير ملامحه ولا إزالة التكشيرة الحقيقية التي كانت مرسومه علي وجهه وهو جالس أمام صندوق الدائرة الحكومية.

موسى أبو عيد