سؤال قد يتبادر إلى الذهن عما هي العلاقة بين كل شطر من العنوان بشطره الآخر أو بمعنى آخر.. هل هناك علاقة بين أرض الميعاد (أرض فلسطين) أو أرض كنعان، وهو أقدم اسم لفلسطين وبين الأعياد الدينية التي جاءت بالكتب السماوية التي لم تتناولها أيدي البشر كل على هواه؟
فالحقيقة أن كلاً منهما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالآخر، وقد كنت ممن تبادر إلى ذهنه هذا التساؤل، ما دفعني إلى البحث عن الإجابة الشافية له والتي أرجو أن أوفق في إيصالها إلى القارئ، نظراً لما اكتنف هذه العلاقة من ضبابية مفتعلة لقلب الحقائق. بادئ ذي بدء، كلنا نعلم أن في الإسلام عيدا صغيرا وآخر كبيرا، وفي الأديان السماوية الأخرى يوحد بالمثل ويسمى العيد الكبير بعيد الأضحى أو الفداء، فمثلاً عند اليهود يسمى عيد الفصح، وهي كلمة عبرية وتعني بالعربية العبور، ويحتفلون به بمناسبة خروج بني إسرائيل على يد الفرعون المصري رمسيس الثاني آنذاك، حسب أغلب المؤرخين، والذين كان يقتل ذكورهم ويستبقي إناثهم، ويقومون بهذه المناسبة بتقديم الأضاحي للرب من ذكور البهائم.
أما في الإسلام، فكما هو معروف، فإن عيد الأضحى يكون كما جاء في سورة الصافات عن واقعة الذبح من الآية (101 إلى الآية 111) والتي حددت الذبيح بأنه غلام حليم، وهذا التعبير لم يرد في القرآن بأكمله إلا في الآية 101. فقد ابتلى الله تعالى إبراهيم عليه السلام ابتلاءين قاسيين، الابتلاء الأول هو إلقاؤه في النار بعد تحطيمه الأصنام في موطنه الأصلي (فدان ارام) والتي تقع بين سوريا والعراق ضمن ما كان يعرف قديماً بالشام، ما دفعه بعد نجاته إلى الهروب هو وأهله إلى أرض كنعان ـ أقدم اسم لفلسطين ـ والتي أصبح فيها غريباً.
والابتلاء الثاني هو تكليفه بذبح وحيده (بيده) والذي رزق به بعد شوق وهو كبير السن فأنجاه الله (وفديناه بذبح عظيم) آية 107، فكان عيد الأضحى (فصلي لربك وانحر)، ويعتبر النحر من شعائر الركن الخامس من أركان الإسلام وهو حج بيت الله الحرام وذكرى لفداء نبي الله إسماعيل الذي ينتسب إليه نبي الإسلام محمد بن عبدالله، ومن أهم شعائر الحج الأخرى الطواف ببيت الله الحرام والذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل وكذلك شعيرة السعي بين الصفا والمروة تأسياً بهاجر أم إسماعيل عندما كانت تبحث عن الماء لوليدها فانفجرت عين زمزم.
ولقد كانت هاجر شديدة الإيمان بالله تعالى فكانت تتوسل إليه كثيراً أثناء حملها بأن يبارك الله في مولودها ويجعله من الصالحين وتدعوه تعالى إلهي إلهي اسمع يا الله لذلك سمي إبراهيم وليده إسماعيل. وقد ذكرته التوراة عندما خاطب الله خليله عند واقعة الذبح (خذ ابنك وحيدك الذي تحبه) (سفر التكوين 1 : 22) كما كرمته التوراة إذ تقول (وابن الجارية سأجعله أمة عظيمة لأنه من نسلك) (التكوين 12 : 13) ولقد كافأ الله تعالى نبيه إبراهيم عقب امتثاله للأمر بذبح وحيده عدة مكافآت وهي الذرية الصالحة المتمثلة في إسماعيل والبشرى بإسحاق في الآية 112 مباشرة (وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين) بمعنى أنه بعد أن كاد يفقد وحيده إسماعيل سيكون عنده ابنان، أما مكافأة إسماعيل مع أبيه لامتثاله أيضاً للذبح، إذ قال (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) الآية 102. فتقول التوراة في هذا الصدد عند مخاطبة إبراهيم (وأعطى لك ولنسلك كل أرض كنعان) (التكوين 17).
أ.د. وجيه محمد عسل