قال الشيخ : يضج أكثرنا عندما يقع عليه ابتلاء سيما ان ثقل المه وامتد زمنه، ونحن نسأل المولى عز وجل أن نكون عبيد احسان لا عبيد امتحان، ولكن ان وقفنا قليلا وتأملنا في معظم ما يبتلى به البشر مع تجرد ولو مؤقت عن ذواتنا التي تأبى الا أن تدعي لنفسها القدرة على الادراك والمعرفة والحكم، لوجدنا ان البلاء أصل وجد في هذه الحياة الدنيا، وأن الشدة قد وجدت مع الرخاء والفقر وجد مع الغنى والمرض وجد مع الصحة والخوف وجد مع الامان والجهل وجد مع العلم، وان هذه سنة الله في كونه لا كما يقول البعض انه من قوانين الطبيعة!! والحق سبحانه وتعالى أكد في القرآن العظيم ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ).

أليس في الطبيعة حر وبرد، وظلمة ونور، أليس في تاريخ البشرية منذ ان اوجدها الحق سبحانه وتعالى حرب وسلام، وظلم وعدل، وامن وخوف، هذه هي الحياة الدنيا كما نعرفها ويعرفها كل منا، فلماذا نجزع ان مسسنا بسوء كأننا اول من اصيب بمثله ولماذا لا نرضى لانفسنا وعليها ما يعيشه كل الناس وما يعانيه كل الناس؟!.

ان النعمة لا تعرف الا بالنقمة، والصحة لا تعرف الا بالمرض، والانشراح لا يعرف الا بالانقباض، والامان لايعرف الا بالخوف ،من هنا كانت سنة الله في الحياة الدنيا وهي دار ابتلاء واختبار ان يعرفنا الاشياء بأضدادها، وهذا امر نمارسه بكل بساطة في تربية الصغار وتعليمهم عندما نطلب منهم عمليا ان يفرقوا بين الحار والبارد وبين الخطر والأمن، ولكننا لا نقبله على انفسنا كبارا لأننا نريدها حياة مريحة رغيدة ثرية الى آخر يوم فيها .

والحياة الدنيا منشورة علينا برخائها وشدتها وسعادتها وشقائها وآمالها وآلامها لكي نطمع بحياة اخرى فيها الرخاء دون الشدة والسعادة دون الشقاء والامل دون الألم، هكذا اقتضت حكمة الخالق سبحانه وتعالى، ولو اراد لجعلها حياة رخاء دون شدة ولكن أين يكون الاختبار عندها؟

ليس المطلوب من المرء المسلم ان يؤدي مجرد عبادات فقط مع ان شطرا من العبادات يحتاج الى الصبر، بل المرجو منه ايضا ان يتصف بفضائل الاسلام واخلاقه ومنها الصبر والرضى وتحمل الاذى من الآخرين، ان الجانب القيمي والاخلاقي من حياة المسلم لا يقل قيمة عن الجانب التعبدي بل لعله ثمرة هامة من اهم ثمراته ولذلك صح قول بعضهم : الاسلام اخلاق كله.

فان علمنا بما تراه عيوننا كل يوم وبما قراناه وعرفناه عن تاريخ البشرية ان الحياة الدنيا انما هي نسيج من اللذة والألم والرخاء والشدة والألم والأمل، هل يعقل ان نكون انانيين بحيث تكون الحسرات لغيرنا والمسرات لنا؟ والاتراح لغيرنا والافراح لنا ؟ليس هذا مقبولا بميزان المنطق والعقل، ولا بميزان الملاحظة والمشاهدة، لذا كان لابد من اعداد النفس لتكون قادرة على مواجهة المشدات والابتلاءات بعزيمة وصبر ورضى، وظني ان هذا لا يكون الا لمن امن حتما واستوطن الايمان في سويداء قلبه .

كثرت الكتب والدعوات اليوم عن مواجهة الأزمات الفردية والجماعية والمهنية وإدارتها، وفي ظني ان كل هذا غثاء لان للازمات لسع لا يقدر على تحمله الا من امتلأ بالرضى عن نفسه وعن خالقه، ولان إدارة الأزمات ومعالجتها تحتاج الى من هو قادر على السيطرة على نفسه مع درجة عالية من الاطمئنان والأمان حتى يقدر على التفكير والتخطيط للخروج منها .

ما هي البدائل التي يقدمها أمثال هؤلاء للوصول إلى السيطرة على النفس والاطمئنان والأمان ؟ اليوغا، تمارين الاسترخاء، المهدئات الكيميائية، هل يقارن هذا الغثاء بذكر الله والتسليم له والفهم عنه واللجوء إليه؟! العالم يشهد اليوم ان ربع سكانه وأكثرهم من الأثرياء من زوار العيادات النفسية التي كثيرا ما تبيعهم الوهم في حين ان ملايين من الفقراء يسحقون بفقرهم ويقصفون بالنيران في مواقع مختلفة من الأرض وهم اقوى واشد عزيمة بالله وحده ؛فهل هناك غير الإيمان يجدي في مواجهة

الحياة بشداتها الموجودة شئنا أم أبينا.

ماهر سقا اميني