عاش الناس في ظل الإسلام آمنين ـ على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ـ وفي هذه البيئة الآمنة أعلن كلُ ذي موهبةٍ عن موهبته، وكل ذي إبداع عن إبداعه، وكل ذي علم عن علمه. وكان من مزايا التدوين التاريخي الإسلامي أنه رصد أعمال كلِ العاملين - من غير تمييز بين مسلم وآخر غير مسلم ـ ولهذا صرنا نرى تراجم معرِّفة تعريفاً ممتازاً بكل أبناء المجتمع، وبكل ما قدموه من عطاء معنوي وإنجاز مادي.

إن هذه النظرة العادلة تكشف مدى الإنصاف الذي اتسمت به جهودُ علماء المسلمين في تاريخهم لأعصارهم وأقطارهم، وتكشف مدى التعايش الذي اتسمت به الحياة الإسلامية.بل تجاوز العلماء هذا إلى أعمال أخرى ذات أهمية خاصة، وهي رصدُ أعمال علماء الأمم السابقة وتدوينها والتعريف بها، وهذا كذلك يؤكد ميزة الإنصاف المذكورة، فهم لم يغمطوا حق أحد ولم يهضموه.

إن هذا يكشف عن منهج رائع في تقدير العلم والعلماء أين كانوا وكيف كانوا، ويظهر علاقات العلماء ـ برغم اختلافهم ـ وتعايشهم جنباً إلى جنب في وقتٍ تتعرضُ فيه جهود الحضارة الإسلامية إلى محاولات طمس وتشويه وإقصاء وتغييب غريبة! وبذلك يتبين الفرق الكبير بين هذين المنهجين. والواقع أن استيعاب الكلام على مؤرخي الإسلام كلهم يطول جداً، لهذا سأقتصر على نماذج بارزة منهم كابن النديم، وابن جلجل، وصاعد الأندلسي، والبيهقي، ومبشر بن فاتك، والقفطي، وابن أبي أصيبعة، وابن الساعي، وابن فضل الله العمري - وهؤلاء عاشوا ما بين القرن الرابع إلى الثامن ـ فأقول:من أشهر مؤرخي العلوم محمد بن اسحاق النديم كان حياً سنة 377ه) وكتابه الفهرست من أشهر الكتب، وقد جعله عشر مقالات، خصص المقالة السابعة لأخبار الفلاسفة الطبيعيين، والمنطقيين، وأسماء كتبهم، ونقولها وشروحها، والموجود منها، وما ذكر ولم يوجد، وما وُجدَ ثم عُدِم.

وفي هذه المقالة ذكر أسماء النقلة من اللغات إلى اللسان العربي، وأسماء النقلة من الفارسي إلى العربي، ونقلة الهند والنبط، وأول من تكلم في الفلسفة، ثم ذكر افلاطون، وأرسطاليس وكتبه، وهكذا غيرهما من الفلاسفة على حسب زمانهم، ثم ذكر أسماء فلاسفة طبيعيين لا تعرف أوقاتهم ولا مراتبهم، وبعدهم ذكر الكندي وكتبه، وهكذا إلى أهل عصره.

وفي الفن الثاني من هذه المقالة تكلم على أصحاب التعاليم المهندسين، والأرثماطيقيين، والموسيقيين، والحسّاب، والمنجمين، وصناع الآلات وأصحاب الحيل والحركات، وبدأ بالكلام على إقليدس وكتابه في أصول الهندسة ونقله إلى العربي، ثم ثنى بأرشميدس، وهكذا إلى أن وصل إلى طبقةٍ مُحدَثين من المهندسين على حسب زمانهم.

وتناول في الفن الثالث من هذه المقالة أخبار المتطببين القدماء والمحدثين، وأسماء ما صنفوه، وبدأ ببقراط رأس الأطباء، وذكر أسماء كتبه ونقولها وشروحها وتفاسيرها: الموجود منها بلغة العرب، ثم ذكر أرجيجانس، ثم جالينوس وسمى كتبه ونقولها وشروحها، وبعد أن فرغ من هؤلاء ذكر المحدثين وكتبهم إلى زمنه.

وخصَّ المقالة العشرة - وهي الأخيرة ـ من كتابه لأخبار الكيميائيين والصنعويين من الفلاسفة القدماء والمُحدثين، وبدأ بهرمس البابلي، وخَتَمَ بالخَنْشَليل (أحمد أبي الحسن) صديقه.

- كان هذا في المشرق، وفي السنة المذكورة نفسها (377) كان سليمان بن حسان الأندلسي المعروف بابن جلجل يُؤلف في المغرب كتابه «طبقات الأطباء والحكماء» وقد رتب كتابه على الطبقات الآتية ـ أنقلها بتعبيره هو :

- ذكر الطبقة العالية الأولية ممن تكلم في الحكمة الطبية والفلسفة العلوية.

- الطبقة الثانية الحكمية الرومية اليونانية ممن تكلم في الطب والفلسفة وبرع في ذلك.

- الطبقة الثالثة من حكماء اليونانية الذين كانوا في دولتهم بعد الفرس ممن شهر في الطب والفلسفة.

- الطبقة الرابعة من حكماء اليونانية ممن تكلم في الدولة القيصرية بعد بنيان روما.

- الطبقة الخامسة من الحكماء الاسكندرانيين.

- الطبقة السادسة ممن لم يكن في أصله رومياً ولا سريانياً ولا فارسياً.

- الطبقة السابعة من حكماء الإسلام ممن برع في الطب والفلسفة، منهم إسلام ومسيحيون.

- الطبقة الثامنة من حكماء الإسلام ممن سكن المغرب.

- الطبقة التاسعة الأندلسية، الحكمية منهم والطبية.

وقد بلغ عدد التراجم في هذه الطبقات التسع «57» ترجمة، لعلماء قبل الإسلام وبعده: مسلمين وغير مسلمين.

- وجاء بعدهما القاضي صاعد بن أحمد الاندلسي (ت: 465ه) وألف كتابه «طبقات الأمم» وقال في مقدمته): زعم من عُني بأخبار الأمم، وبحث عن سائر الأجيال، وحقق عن طبقات القرون أن الناس كانوا في سالف الدهور وقبل تشعب القبائل وافتراق اللغات سبع أمم) وعددها وهي: 1-الفرس، 2- الكلدانيون وهم السريان والبابليون، 3-اليونانيون والروم والإفرنجة...، 4- القبط، 5- أجناس الترك، 6- الهند والسند، 7- الصين.

وهو يقسم هذه الأمم على طبقتين: طبقة عُنيت بالعلم فظهرت منها ضروبُ العلم وصدرت عنها فنون المعارف. وطبقة لم تُعن بالعلم عناية تستحق بها اسمه...

والطبقة الأولى ثمانية أمم: الهند والفرس والكلدانيون واليونانيون والروم وأهل مصر والعرب وبنو إسرائيل.

وقد فصل القول على هذه الأمم واحدةً بعد أخرى على هذا الترتيب المذكور، وذكر علومها وإنجازها وما قدمته للبشرية، وفي كلامه على العرب ذكر مَن عرف في الدولة العباسية من المسلمين عربياً كان أو عجمياً بشيء من علوم الفلسفة، ثم تكلم على العلوم في الأندلس.

وقد أفاد من ابن النديم وغيره، وحالفه التوفيق كثيرا في رصده للأمم وعلومها واهتماماتها، بحيث قدم تاريخاً علمياً للبشرية في غاية الصدق والانصاف.

- وفي القرن السادس كتب ظهير الدين البيهقي (ت:565ه) كتابه » تتمة صوان الحكمة» المطبوع باسم «تاريخ حكماء الإسلام»، وفي الكتاب «111» ترجمة، وقد بدأ هؤلاء الحكماء بـ «حُنين بن إسحاق» وختم بـ «إسماعيل بن الحسيني الجرجاني الطبيب» الذي رآه بسرخس سنة (531). ولا يخفى ما في هذا الافتتاح من اعتراف بالآخر وتنويه بأثره وجهده.

- وفي هذا القرن كتب الأمير المبشِّر بن فاتك (ت:589ه) كتابه «مختار الحكم ومحاسن الكلم» وقد اختار فيه من أقاويل الحكماء اليونانيين، ومواعظ العلماء المتقدمين ما رآه نافعاً في عاجل أو آجل، واعتمد في ذلك على انتخاب كلام الإلهيين منهم، الموحدين من جملتهم، وأتبعهم باللاحقين بهم في الحكمة، المشهورين بالأفعال الحسنة كما قال في مقدمته، وأضاف قائلاً: (ولم يمنعني اختلاف مذاهبهم وتباين طرقهم وتقادم عهدهم من أن استمع أقاويلهم وأتبع أحسنها).

وهذا الكتاب وإن لم يكن كتاب تراجم، إلا أنه حفظ جملة كبيرة من الأقوال الرائعة لهؤلاء الحكماء، وهو يظهر جانباً مهماً من جوانب عطائهم وإنجازهم للإنسانية.

- وفي القرن السابع ألف القفطي كتابه «إخبار العلماء بأخبار الحكماء».

احتوى هذا الكتاب على تراجم لعصور ما قبل الإسلام، وما بعده، إلى عصر المؤلف الذي ولد سنة (568ه) وتوفي سنة (646ه) وقد رتب الأسماء على الحروف كما قال في مقدمته: (وقد قفيته ليسهل تناوله) وبذلك اختلطت التراجم، ولم تتميز العصور، ولم تعرف الطبقات، وتقدم الابن على أبيه، والتلميذ على شيخه، وغابت معالم نشأة العلوم المقصودة وسير تطورها.

بقلم: د. عبد الحكيم الأنيس - كبير باحثين أول في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي