أكد الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي د. عبدالسلام العبادي أهمية دور العلماء في توعية المسلمين بأمور دينهم والتصدي لما يثار حول الإسلام، وطالب بأن تكون هناك مرجعية فقهية للأمة الإسلامية للقضاء على فوضى الفتاوى التي وصفها بأنها لا تقل خطورة عن تطاول الغرب على الإسلام.
قال العبادي إن الإعلام الإسلامي يلعب دورًا كبيرًا يستحق الشكر عليه، من خلال الفضائيات المتاحة، في التصدي للمفاهيم الخاطئة التي يروج لها أعداء الإسلام أو الجاهلون به، لكنه في الوقت نفسه طالبه بمحاربة كل ما يمكن أن يسيء إلى وحدة الأمة.. تفاصيل أكثر في سياق الحوار التالي.
يعانى العالم الإسلامي ومازال من فوضى في الفتاوى دون حل حاسم لذلك.. كيف تقرأ ذلك؟
أتفق معك في أن هناك تضاربا في الفتوى، وهناك من يتصدون للإفتاء، وهم غير مؤهلين لها وهذه المشكلة صعبة وخطيرة تنعكس سلبًا على مجتمعاتنا، ولا تقل خطرًا عن تطاول الغرب على الإسلام، وأنا أعذر غير المسلمين الذين يتطاولون على الإسلام لأن أغلبهم يتحدثون عن جهل، مستندين إلى معلومات خاطئة تروج لها وسائل الإعلام الصهيونية عن ديننا الحنيف، أما المسلمون الذين يصدرون فتاوى حبًا في الظهور، وهم غير مؤهلين لذلك، فلا عذر لهم.. والحل لهذه المشكلة أن تقوم الدول الإسلامية مجتمعة بسن تشريعات تجرم ذلك، فضلاً عن إعداد برامج لتوعية المواطن بخطورة هذه الفتاوى.
وكيف ترون الحل لتلك الإشكالية التي باتت تؤرق المجتمعات الإسلامية؟
الحل في أن يكون «مجمع الفقه الإسلامي الدولي» مرجعية فقهية للأمة، وممثلاً عن مؤتمر القمة الإسلامية.
ونحن الآن في المجمع نتصدى للكثير من القضايا التي تصدر بشأنها قرارات واضحة، سواء في الأمور السياسية، الطبية، الاجتماعية، العلاقات الدولية، وغيرها، وأيضًا نعمل في المجمع على التنسيق بين جهات الفتوى في العالم الإسلامي، لأن الذي يدحض الفتاوى الباطلة ويمنع الفوضى هو طرح الفكر السليم والرؤى الصحيحة، وهذا يتطلب فتح باب الاجتهاد الجماعي، وهذا ما يقوم به مجمع الفقه الدولي فمن أهم واجباته طرح الفتاوى السليمة القائمة على الدليل الشرعي القوي، والمحققة للمصلحة، وهذا ليس مسؤولية مجمع الفقه الإسلامي الدولي وحده، لكن مسؤولية العلماء والدعاة في كل مكان.
ين آن وآخر يحدث اختلاف بين العلماء حول قضية معينة.. فبماذا يأخذ المسلم؟
هناك علم اسمه «أسباب اختلاف الفقهاء»، وهذا العلم يتولى بيان المنطلقات المختلفة التي يتبناها الفقهاء كقواعد وكأسس، فإذا اختلفت المنطلقات فبالضرورة تختلف وجهات النظر، وهذا يرجع إلى طبيعة اللغة العربية، وبعضها يرجع إلى الروايات، وبعضها يرجع إلى قواعد الترجيح والتعارض، لكن يجب أن نعلم أن اختلاف الفقهاء ليس أمرًا سلبيًا، بل هو دليل سعة أفق ويسر ورحمة، وهذه الآراء الخلافية كلها صحيحة وكلها صواب لأنها ناتجة عن اجتهاد.
لكن هناك الكثير من الدعوات التي تطالب بتجديد الفقه أو إعادة صياغته بما يناسب الواقع؟
التصدي للقضايا المعاصرة يتطلب تفعيل دور الاجتهاد، خاصة الاجتهاد الجماعي، علما بأن التجديد ليس مقصودا به التغيير كما يدعي من يسمون بدعاة الحداثة؛ فهذا الدين يتصف بصفات الكمال.
وقد أعطانا الله قدرات فذة في ديننا من حيث الاعتماد في كثير من القضايا المستجدة على الاجتهاد، والاجتهاد نظر بنور الله لأنه عودة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها من خلال النظر في قواعد علم أصول الفقه، التي تُعين المجتهد على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها دون ارتجال.
ماذا تقول في مطالبة البعض بتطبيق فقه التيسير على جميع القضايا والمشكلات التي تواجه المسلمين انطلاقًا من قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت ميسرًا»؟
البعض يفهم التيسير خطأ، كأن التيسير يشمل «التسيب»، ونحن العلماء غير متسيبين، نحن ننقل ما في التراث الإسلامي، لكن كثيرًا من الناس لا يعلمون، نحن ننقل منهجًا متكاملاً وليس قضية على سبيل الانتقاء، ولا نتتبع منهج الرخص كما قد يتوهم بعض القاصرين، فنحن لا نيسر في شيء قد وضعه الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نيسر في المساحة القطعية في الشريعة وهي محل الإجماع، وهي من المعلوم من الدين بالضرورة، نحن لا نيسر طلبًا للتخفيف وغيره، نحن نتبع منهجًا أمرنا الله عز وجل به حيث يقول سبحانه: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} .. [الإسراء: 36]، نحن نتبع منهجًا حينما نقرأ {إن مع العسر يسرا}، ونتبع منهجًا عندما نقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه».
هل ترى جدوى من استمرار مؤتمرات الحوار بين المسلمين وغيرهم في ظل استمرار الهجوم على الإسلام؟
الإسلام لا يعترف بالانعزالية والتقوقع، بل يسعى إلى التعاون والتعارف فيما بين المسلمين وغيرهم، مما يتيح فرصًا طيبة لتعريف الآخر بجوهر الإسلام الذي يعاني من تشويه من أعدائه، وللأسف من بعض أتباعه، لذلك فإن الحوار مع الآخر يمحق كل المفاهيم الخاطئة التي ترتكب إما عمدًا أو جهلاً؛ لذلك لا بد من استمرارية التحاور بين المسلمين، وبين من لا يدينون بالإسلام.
يتهم الغرب الإسلام وعلماءه بالإرهاب، كيف يمكن مواجهة هذا الاتهام؟
هذا ادعاء كاذب، فالإرهاب الحقيقي هو الذى تمارسه إسرائيل، والمسلمون هم الذين يمارس ضدهم الإرهاب فى كل مكان، فالإرهاب تمارسه الحكومة الإسرائيلية بشكل منظم، وبدعم غير محدود من الولايات المتحدة الأمريكية بكل أنواع الأسلحة، وبكل المقومات الاقتصادية والسياسية، والشعب الفلسطينى الذى يدافع عن حقه عن طريق المقاومة المشروعة يصفونه بأنه مجموعة إرهابيين كيف؟! الشعب الفلسطينى يناضل من أجل الحق فى الحياة مثل غيره من الشعوب التى كانت محتلة ويطلب زوال الاحتلال عن أرضه ووقف المجازر والفظائع التى ترتكب ضده بدون أى مبرر.
برأيك.. لماذا فشل إعلامنا في التصدي للمفاهيم الخاطئة التي تثار حول الإسلام؟
الإعلام الإسلامي يلعب دورًا كبيرًا يستحق الشكر عليه من خلال الفضائيات المتاحة في التصدي للمفاهيم الخاطئة التي يروج لها أعداء الإسلام أو الجاهلون به، لكنه في ظل الواقع الراهن هو مطالب بالتصدي، بمزيد من الجهد، لما يثار حول الإسلام، والتعريف بكل ما يوحد الأمة، والتعريف بالفتاوى السليمة الصادرة عن المجامع الفقهية المعتمدة، ومحاربة كل ما يمكن أن يسيء إلى وحدة الأمة، أو يسبب تشنجات هنا وهناك، سواء كان على المستوى الفردي أو الجماعي
القاهرة - دار الإعلام العربية

