من كان يستمع إلى أصوات البعض من المسؤولين وغير المسؤولين في عدد من الدول العربية والإسلامية أثناء بروز وظهور هوجة (انفلونزا الخنازير) والدعوة إلى تأجيل فريضة الحج وسنة العمرة إلى العام القادم أو العام الذي يليه إن أمكن، يظن أن القيامة قامت وأن الحجاج إذا ذهبوا إلى أداء الفريضة فربما لن يرجع نصفهم إلا وهم مرضى بالزكام ويعطسون في وجوه المستقبلين لهم، إلا أن النجاح كان حليفا لموسم الحج وللحجاج الذين توجهوا بقلوبهم إلى بيت الله الحرام لم يشغلهم شيء إلا وجه الله عز وجل وطاعته ومرضاته، ولم يلتفتوا إلى تنظير المنظرين وتأويل المتأولين وخوف الخائفين من مرض الانفلونزا.

ورأينا قبل موسم الحج وفي غمرة التخويف من المرض وما سيحصده من أشخاص، رأينا كثيرين ليس لهم في الأمر اي شيء يحذرون من الحج ومن العمرة، ولم نر واحدا منهم يحذر جمهور كرة القدم من التواجد في الملاعب أو في الشوارع حتى لا يصاب بالمرض جراء الازدحام في الملاعب، وكأن الأمر مقصود لذاته في تغييب الناس عن الحج تحت أي حجة، ولا يدركون أن الحج بجانب فوائده الروحانية العظيمة على الحاج وفوق كل ذلك رضا الله عز وجل وطاعته، به من المنافع الدنيوية الكثيرة أيضاً التي تعود على الناس بالفائدة.

ويقول الله تعالى في كتابه الكريم : (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). الحج:27-28.

فالحج مدرسة إيمانية عظيمة، يتلقى فيه المؤمنون الدروس العظيمة والفوائد الجليلة والعبر المفيدة في شتى مجالات الحياة ويطهر النفس، ويعيدها إلى الصفا والإخلاص، مما يؤدي إلى تجديد الحياة، ورفع معنويات الإنسان، وتقوية الأمل وحسن الظن بالله تعالى.

والحج يُقوِّي الإيمان، ويعين على تجديد العهد مع الله، ويساعد على التوبة الخالصة، ويفتح باب الأمل لأهل المعاصي ويربيهم على تركها ونبذها في تلك المشاعر.

ويقول الله عز وجل : (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) آل عمران :97.

وعن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحجاج والعمّار وفد الله ، إن سألوا أُعطوا، وإن دعوا أُجيبوا ، وإن أنفقوا أُخلف لهم).

وبعد كل هذه الفوائد العظيمة ودعوة الله سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم بقوله (وأذن في الناس بالحج) ويسأله سيدنا إبراهيم عن المناداة بصوته الضعيف وهل سيستمع الناس جميعا، فيقول له عز وجل عليك الأذان وعلينا البلاغ، فيأتي الناس من أقاصي الدنيا لأداء الحج ولا يهتمون بانفلونزا أو غيرها.

السيد الطنطاوي