كانت تتمتع بجمال واضح أما أناقتها فكانت تنم عن «أنثى بداخلها ومما زادها رقة وجمالاً لهجتها باللغة الإنجليزية فقد كانت تتكلمها على طريقة بنات جنسها من دول جنوب شرق آسيا.

وظيفة مرموقة

كانت «س» تعرف أنها جميلة وأنيقة وأن الكثيرين يحاولون التقرب إليها والتعرف إليها وكثيراً ما كانت تتلقى دعوة على العشاء أو سهرة في (ديسكو) ولكنها كانت ترفض بأدب جم دون أن تجرح الشخص الذي أمامها.

كانت الفتاة تعرف مقدار أنوثتها لذا قررت أن تستغل ذلك في الوصول إلى وظيفة محترمة، ورغم أنه عُرض عليها الكثير أن تعمل في احد المقاهي أو المطاعم في فنادق من الدرجة الثالثة لكنها كانت ترفض لأنها تنتظر أن يأتي من يقدرها ويعطيها الوظيفة التي تستحقها.وأخيراً حصلت على فرصتها فقد وجدت عملاً في فندق خمس نجوم، إذ تم تعيينها مسؤولة غرف وأجنحة كبار الشخصيات ورجال الأعمال الذين يستخدمون الفندق.

هذا المنصب أعطاها أملاً في الوصول إلى هدفها، فقد كانت تطمح لأن يكون لديها مبلغ من المال تستطيع من خلاله أن تمتلك شقة في عاصمة بلدها، كان هذا كل أملها وكل ما تطمح إليه، لذا وضعت هذا الهدف أمامها وبدأت تسعى إليه.

خلال وجودها في الفندق عرض الكثير من زملائها عليها صداقتهم لكنها كانت ترفض، وكذلك كان الحال بالنسبة للرجال الذين كانوا يسكنون أجنحة الفندق، كانوا يعرضون عليها سهرات بمبالغ كبيرة لكنها كانت تعتذر بأدب وتقول بأنها ليست فتاة ليل بل فتاة جامعية اضطرتها الظروف لأن تعمل من أجل تحقيق هدفها، لذا كان البعض يتعاطف معها ويترك لها بقشيشاً جيداً عندما تأتي للاطمئنان على نظافة جناحه، وعلى إضافة المأكولات والمشروبات إلى الثلاجة الخاصة بغرفة نومه في الجناح.

أصبح معروفاً لدى الجميع بأن «س» ليست عن تلك الفتيات اللواتي يصاحبهن من أجل المال أو سهرة عابرة لذا تقدم بعض الزملاء لخطبتها والزواج منها لكنها كانت ترفض بحجة أنها لا تريد الزواج قبل الحصول على شقة في عاصمة بلادها.

أثبتت «س» كفاءة عالية في أداء واجبها لذا تمت ترقيتها لتصبح مسؤولة عن تنقلات رجال الأعمال من المطار وحتى وصولهم الفندق ثم مغادرتهم الفندق إلى بلادهم، فقد كانت تنتظر رجال الأعمال في سيارة ليموزين، حيث تُقدم له باقة ورد وأثناء جلوسها معهم في الكرسي الخلفي كانت تقدم لهم ما يطلبون من عصائر أو مشروبات، كان استقبالها جميلاً حتى ان الكثير من رجال الأعمال كتبوا في مذكرة تعليقهم على خدمة الفندق بأن أفضل ما وجدوه هو وجه «س» وبشاشتها وطريقة معاملتها لهم، لذا كانت محفظتها مملوءة بأرقام هواتف هؤلاء الرجال، خاصة وأن المدينة التي تعمل فيها «س» هي مدينة لرجال الأعمال.

الحب يدق بابها

رغم تحفظها على أية علاقة تبعدها عن هدفها إلاّ أن الحب دق بابها من دون مقدمات، فقد تم تعيين رئيس قسم المناوبات في الفندق بعد استقالة الموظف المختص.

كان «ر» الموظف الجديد وسيماً وطويلاً وأنيقاً تماماً مثل نجوم السينما في بلاد «س» كان كل من «ر» و«س» ينتميان إلى البلد ذاته لذا لم تكن هناك الكثير من العقبات حتى يتعارفا، خاصة وأنه مسؤول عن تقسيم الفترات المسائية والصباحية، لذا كان احتكاكه مع «س» احتكاكاً مباشراً وشبه يومي.

أحست «س» بأن «ر» شاب وسيم وأن الفرصة قد لا تأتي بمثله في حياتها، لذا عندما بدأ ملاطفتها والتحدث معها في أمور خاصة لم تصده، بل كانت إيجابية معه ما شجعه على أن يستمر في حديثه معها.

لكن «س» أفهمت «ر» بأنها ليست فتاة ليل وأنها تريد علاقة نظيفة، لذا لم يتردد «ر» في طلب يدها وفعلاً تم ذلك وكان هذا الحدث هو الحدث الأكبر الذي تحدث عنه الفندق أياماً عدة.

وبما أن «ر» كان مسؤولاً عن تقسيم المناوبات كان يحرص أن تكون «س» معه في كل مناوبة وبالطبع لم يلاقِ هذا الأمر أي اعتراض من إدارة الفندق، فقد أصبحا مخطوبين رسمياً والكل يعرف ذلك.

استمرت «س» في نشاطها المعهود، فقد كانت تريد أن تثبت لإدارة الفندق بأن خطبتها لم تؤثر على عملها.

في أحد الأيام طلب مدير الفندق من «س» أن تُهيئ سيارة الليموزين كالعادة لاستقبال أحد رجال الأعمال. وكان المطلوب منها في هذه الحالة أن تتأكد من هندام السائق ومن الثلاجة التي في السيارة وهل تحتوي المشروبات والفاكهة والسندويشتات الخفيفة المطلوبة، إضافة إلى بوكيه الورد والعطر الذي سيتم وضعه على كراسي السيارة.

تفقدت «س» كل ذلك فوجدته على ما يرام، وهذه المرة لم تطلب من إحدى العاملات أن تكتب اسم رجل الأعمال على لوح صغير وتقف به أمام قاعة القادمين كي يرى الرجل اسمه بل قالت إنها ستستقبله بنفسها لأنها تعرفه جيداً.

في الصباح الباكر كانت طائرة رجل الأعمال تحط على أرض المطار، انتظر الرجل حتى يأتي من يأخذه، لكن ذلك لم يحدث لذا طلب سيارة أجرة وذهب إلى الفندق حيث حجز جناحاً عن طريق «الانترنت».

عندما وصل إلى الفندق كان الرجل غاضباً لأن أحداً لم يكن في استقباله، لكن مدير الفندق أخبره بأن «س» وسيارة الليموزين وباقة من الورد كل ذلك كان في انتظاره في المطار، لكن رجل الأعمال قال لقد انتظرت كثيراً ولم يحضر أحد.

بداية التحقيق

اعتذر المدير عن هذه الغلطة التي ارتكبتها إدارة الفندق واعداً بأن ذلك لن يتكرر وأن الاستقبال الذي لم يحظ به في المطار سيحظى به في جناحه الخاص.

وفي هذا الوقت اتصل مدير الفندق ب«س» لكنها لم ترد على هاتفها النقال فاتصل بسائق الليموزين فأخبره بأن «س» تفقدت كل شيء في السيارة وأحضرت باقة الورد وقالت له لا تتحرك حتى أحضر أنا وعلى هذا الأساس لم يذهب إلى الفندق.

طلب المدير احضار «س» فوراً فرغم أنها طيلة خدمتها في الفندق كانت مثالاً للموظف النشيط والكفء إلاّ أن هناك أخطاء لا تغتفر ويجب محاسبة الموظف عليها مهما كان سجله نظيفاً.

مضى أكثر من 48 ساعة و«س» لم تظهر وهاتفها أصبح مقطوعاً. طلب مدير الفندق من «ر» أن يخبرهم أين هي، لكن الرجل كان قلقاً للغاية إذ قال بأنه لا يدري أين ذهبت، فقد قالت بأنها ستُنهي فترتها مبكراً لأنها ستذهب إلى المطار كي تستقبل أحد رجال الأعمال المهمين.

هنا اضطر مدير الفندق لأن يبلغ الشرطة التي بدأت تبحث عن الفتاة في كل مكان وأخيراً تم العثور عليها بعد (72) ساعة مقتولة وجسدها مُلقى في مكان بعيد على شاطئ البحر.

انتظرت الشرطة حتى تحصل على تقرير مفصل من المختبر الجنائي حيث جاء فيه أن الفتاة ماتت مقتولة بواسطة خيط نايلون أبيض التف حول عنقها وأنه قطع حنجرتها من شدة الضغط، كما جاء في التقرير أن الخيط أو أي من ثياب أو حقيبة يد القتيلة لا تحمل بصمات، ما يعني أن عملية القتل كانت مدبرة وأن القاتل استخدم قفازات حتى لا يترك آثاراً لجريمته، إضافة إلى ذلك حمل التقرير أوصاف الفتاة والحمض النووي لها كما أشار إلى أنه لم يتم الاعتداء جنسياً عليها، إضافة إلى أن حقيبة يدها كانت تحتوي على جميع متعلقاتها ما يعني أن عملية القتل كانت بغرض الانتقال وليس السرقة أو الاعتداء الجنسي.

بدأت الشرطة تتحرى عن أعدائها لكن الجميع أكد بأنه ليس لها أعداء، وكذلك أكد خطيبها بأنه ليس لها أعداء، كان موت «س» لغزاً محيراً فإذا لم يكن الهدف السرقة أو الاعتداء الجنسي فما الهدف إذاً؟ طلب الضابط التحري تقريراً عن جميع المكالمات الهاتفية التي تلقتها القتيلة ليلة مصرعها، وكانت النتيجة أنها تلقت (11) مكالمة من خطيبها في أقل من (25) دقيقة.

أثار هذا الرقم دهشة الضابط الذي استدعى «ر» للاستجواب، لكنه كان ثابتاً في أقواله، فقد قال بأنه لا يعرف عن الأمر شيئاً، لكن ذلك تغير بعد أن أخبره الضابط عن المكالمات ال(11) في أقل من (25) دقيقة. هنا قال بأن «س» كانت تركب سيارة أجرة وأن سائق السيارة كان يعاكسها فاضررت أن اتصل بها كل دقيقة أو دقيقتين لأطمئن عليها.

لكن الضابط لم يصدق روايته قائلاً بأن الدوريات تملأ الشوارع فلماذا لم تُبلغ الشرطة بأن سائق سيارة الأجرة يضايقها، عندها ستحدد الشرطة مكان السيارة وستوقفها وسينال السائق أقصى عقوبة لأنه من الضروري أن يشعر مستخدمو سيارات الأجرة بالأمان في بلادنا. هنا طلب منه الضابط أن يعطيه رقم سيارة الأجرة أو لونها أو نوعها، لكن «ر» وقف صامتاً لا يتكلم.

بداية الاعتراف

قال له الضابط عليك أن تعترف بالحقيقة وإلاّ سأوجه لك تهمة قتل «س» مع سبق الإصرار والترصد، لكن «ر» قال بأنه لا يعرف شيئاً وأنه بحاجة إلى محام، فرد عليه الضابط بأنك ستحصل على محام في المحكمة ولكن بعد أن تعترف لي.

أحضر الضابط مجموعة من الأوراق وقلماً وقال له سأتركك في الغرفة لتدون اعترافاتك وتوقع عليها وتخبرني كيف قتلت «س» قال «ر» بأنه لم يقتلها وأن الجميع في الفندق يشهدون بأنه في تلك الليلة كان مداوماً.

قال له الضابط إذا لم تكن أنت من قتلها فسجل ما تعرفه عن الحادث.

قال «ر» بأنه لا يستطيع أن يكتب لأن أعصابه في حالة من التدهور غير المعهود، هنا أحضر الضابط جهاز تسجيل وقال له تحدث وأنا أسمعك وإن كنت بريئاً فإنني أعدك بأن أساعدك إلى أبعد الحدود وستترك هذا المكان ولن استدعيك أبداً.

قال «ر» كنت قد خطبت «س» وكنت أغير عليها كثيراً وفي أحد الأيام أخبرتني بأن رجل أعمال عرض عليها (000,10) دولار مقابل أن تقضي معه ليلة كاملة، فرفضت ذلك، ومما شجعني أنها هي أيضاً كانت ترفض ذلك.

وفي الليلة التالية أخبرتني بأن رجل الأعمال زاد المبلغ ليصبح (000,15) دولار وقالت لي يمكننا أن نأخذ المبلغ إن ساعدتني في ذلك، قلت لها: كيف؟ قالت: بأنني سأوافق على أن أمضي معه الليلة، وسآخذ المبلغ مقدماً وسأضع كاميرا في غرفة النوم التي في الجناح وأنت تراقبني، وبالطبع سأطلب منه أن يخلع ملابسه وأن ينتظر في السرير حتى أضع بعض العطور والماكياج، وعندما يصبح هو في السرير سأذهب إلى الباب لأغلقه عندها تُشغل رشاش الماء الذي في سقف الغرفة والذي يستخدم في حالة الحريق، وعندما أرى الماء سوف أطلب منه أن يغادر الغرفة باعتبار أن هناك حريقاً ولكونه من دون ملابس فلن يتمكن من الخروج قبل أن يضع الروب أو شيئاً من الملابس، عندها أكون أنا قد خرجت من الجناح وأكون حصلت على المبلغ من دون أن أعطيه ما يريد.

وأضاف، فكرت في ما تقول ووضعنا الكاميرا التي أصبحت مربوطة بهاتفي النقال، وفعلاً نفذنا الخطة، وكانت ناجحة أكثر مما توقعنا. وبالطبع فإن رجل الأعمال لم يبلغ إدارة الفندق من أن «س» أخذت ال«000,15» دولار منه حتى لا يسبب لنفسه فضيحة ثم انه لم يكن يتوقع أن يكون رش الماء مُفتعلاً.

وقال «ر» لقد شجعنا ذلك على أن تكرر هذه العملية مرات عدة حتى ان «س» أصبحت تتحرش في رجال الأعمال حتى يطلبوا منها قضاء ليلة معهم وكنا نقوم بتنفيذ الخطة السابقة في كل مرة من دون أن يتنبه إلينا أحد.

وعندما سأله الضابط ألم يكن يتم تسجيل تدفق الماء من سقف الغرفة عن طريق كاميرات المراقبة قال بأن كاميرات المراقبة موجودة في خارج الغرف وليس في داخلها ثم ان عملية رش الماء من السقف كانت تحدث في الغرفة الخاصة بالجناح الذي فيه رجل الأعمال فقط، حيث كنت أتحكم في ذلك بنفسي، وبالطبع فإنني لم أسجل ذلك في سجل الفندق، وكانت عملية رش الماء لا تستغرق أكثر من دقيقة حتى ينشغل الرجل وتستطيع «س» أن تغادر الجناح من دون أن يلاحقها لأخذ المال.

وعن ليلة الحادث قال أخبرتني «س» بأن أحد رجال الأعمال الذين كنا قد خدعناهم شاهدها تغادر الفندق فطلب أن يوصلها إلى حيث تريد وقد خرجت معه، حيث كان لطيفاً معها إلاّ أنه أصبح عدائياً بعد أن عاتبها على فعلتها به فقد قال لها لو كنت طلبت المال لأعطيته لك بدلاً من أن تتركيني أغادر غرفتي من دون ملابس خوفاً من الحريق المُفتعل، لذا أحست «س» بالخوف وأخبرتني بأنها خائفة وعندما سألتها إن كان الرجل ينزل في الفندق الذي نعمل فيه الآن؟ قالت بل ينزل في فندق آخر فهو حسب ما قال لها لا يريد أن يأخذ حماماً في غرفة نومه.

وأضاف لقد كنت خائفاً عليها لذا كنت أتصل بها كل دقيقة وأقول لها بأن تحاول إيقاف السيارة والنزول منها لكنها أخبرتني بأن رجل الأعمال وصديقه يجلسان معها في الكرسي الخلفي من السيارة وأنها بينهما في الوسط ولا تستطيع أن تهرب من السيارة.

قال له الضابط ألم توصف لك السيارة التي كان فيها رجل الأعمال أو رجل الأعمال ذاته، فقال كل ما استطاعت قوله إنه رجل سمين ويلبس نظارة سوداء رغم أنه كان يجلس في سيارة مظللة الزجاج والوقت يكون ليلاً.

وأضاف بعد فترة اتصلت بها لكن هاتفها بقي يدق من دون أن يجيب أحد فعرفت أن مكروهاً وقع لها، تم التحفظ على الشاب بعد أن وقع على أقواله، التي اعترف من خلالها بأنه و«س» قاما بهذه الخدعة مع عدد كبير من رجال الأعمال استمرت لمدة عامين ونصف العام.

ذهب الضابط إلى إدارة الفندق يسأل عن رجال الأعمال الذين جاءوا إلى الفندق خلال عامين ونصف العام، فأخبرته إدارة الفندق بأن الفندق يدخله ويخرج منه يومياً عشرات رجال الأعمال وأنه من المستحيل الاستدلال على القاتل لكونه سميناً فمعظم رجال الأعمال يتميزون بالسمنة، ثم ان أحدهم قد يكون اليوم سميناً ويصبح نحيفاً خلال أقل من شهر.

كان الضابط يعرف جيداً بأنه لا أمل في العثور على رجل الأعمال وهكذا تبخر أمل «س» في الحصول على شقة في عاصمة بلادها أما «ر» فقد تم تحويل أوراقه إلى المحكمة لترى حكمها فيه.

إعداد ـ أحمد سلطان