وجه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة كلمة بمناسبة اليوم الوطني عبر مجلة درع الوطن فيما يلي نصها. «مع الذكرى الثامنة والثلاثين لعيدنا الوطني المجيد تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة الانطلاق بخطى واثقة ومدروسة لإنجاز مرحلة التمكين التي أطلقها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله استكمالا لمرحلة التأسيس التي أنجزها المغفور له الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه والتي أحدثت تحولا جذريا في مجرى حياة شعب دولة الإمارات العربية المتحدة وكان لها أثرها في تاريخ المنطقة بأسرها.
لقد رسمت دولة الاتحاد التي أقامها زايد الخير والعطاء آفاق المستقبل للوطن وأبنائه وفجرت فيهم طاقات بناءة قادرة على تحويل الآمال إلى حقائق على أرض الواقع فجاءت الإنجازات تجسيدا حيا للتفاعل الخلاق بين الشعب وقيادته .. نعم لقد كتب الاتحاد على أرض الإمارات تاريخا مشرفا تفخر به الأجيال وأقام كيانا راسخا يزهو بحاضر مضيء ويؤسس لمستقبل أكثر ضياء وإشراقا وازدهارا.
ها هي اليوم دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ومؤازرة أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله وإخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات تنطلق وفق رؤية مستقبلية طموحة تقوم على أسس راسخة من التخطيط الاستراتيجي وأفضل الممارسات العالمية بهدف تحقيق التنمية المستدامة والنهضة الحضارية.
لقد أخذت الرؤية المستقبلية باعتبارها معطيات ومفاهيم العصر وفي مقدمتها أن التنمية مفهوم واسع وأن أي مشروع حضاري يجب أن يعمل على تحقيق الأبعاد المختلفة للتنمية سواء البشرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الأمنية وأن السياسات والاستراتيجيات يجب أن تصب في النهاية في خدمة أهداف هذه التنمية.
كما أن الترابط بين السياسات الداخلية للدولة ونهجها الخارجي يعد ضرورة ملحة حيث يخدم كل منهما الآخر فإذا كانت السياسة الخارجية التي تتسم بالاتزان وبعيدة عن أي توترات أو افتعال للأزمات وتحرص على الانفتاح على كل دول العالم تمثل دعما قويا لسياسة الدولة الداخلية وخططها التنموية فإن التجربة التنموية الناجحة على المستوى الداخلي تمثل هي الأخرى داعما قويا لسياستها الخارجية.
وبالفعل فقد كان للتفاعل الخلاق بين السياسة الداخلية والخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة آثاره الإيجابية العديدة فنجاح دولة الإمارات في جذب الاستثمارات الخارجية ما كان له أن يتحقق لولا الاستقرار السياسي والأمني الذي تتمتع به البلاد وفي نفس الوقت فإن توافر المناخ الآمن المستقر الذي تنعم به في الداخل جعلها قبلة للاستثمار وبيئة ملائمة للأعمال الأمر الذي كان له أثره في تدعيم مكانة الدولة خارجيا وتزايد الثقة الدولية بالمبادرات التي تطرحها على الصعيدين الإقليمي والدولي. لقد كان من الضروري لتحقيق أهداف المرحلة أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون لتطوير نموذج تنموي يضمن لنا القدرة على مواجهة التحديات ويضع الإنسان في مقدمة الأولويات باعتبار أن إنسان الإمارات هو ركيزة عملية التنمية والتطوير وهو أداتها وغايتها.
لقد أفسحت الرؤية الطموحة مجالا أوسع لشباب الوطن من الجنسين للعب دور هام ومميز في تنفيذ إستراتيجية التنمية المستدامة باعتبار أن الشباب هم عدة الوطن وذخيرته وضمانته للمستقبل. وجاءت البرامج والخطط التطويرية لتنمي قدرات أبناء الوطن وتصقل خبراتهم وتهيئ أفضل الظروف وأنسبها لإعداد مواطن أكثر وعيا بمتطلبات عصره وأكثر اعتزازا بهويته وأكثر إدراكا لمسوؤلياته تجاه وطنه وأكثر مشاركة وإسهاما في مسيرة تقدمه ورخائه وازدهاره وصنع الغد الأفضل لأجياله.
اننا لا نتوانى في دولة الإمارات عن تشجيع شبابنا على الابتكار والإبداع ونحرص على تبني كل فكر مستنير وكل عمل يضيف لبنة جديدة إلى صرحنا الحضاري الشامخ ومازالت قناعتنا راسخة بأن النجاح الفعلي لبرامج وخطط إستراتيجيتنا التطويرية إنما يقاس فقط بنجاحها في تعزيز قدرات الإنسان وتمكينه من أداء دوره المنوط به في بيئة أكثر أمنا واحتراما وحرية ومشاركة وخالية من التهديد والمخاطر.
لقد تحولت برامج مشروعنا الحضاري بتوجيهات سامية إلى منهاج عمل مخطط ومرسوم بدقة وينفذ على مراحل تتكامل في النهاية لتحقيق التنمية المستدامة وكان طبيعيا أن تتصدر عملية تطوير التعليم أجندتنا الوطنية باعتبار أن التعليم هو الرافد الرئيسي للتنمية والتطوير.
لقد تبين من خلال مراجعة إنجازات إستراتيجية التنمية أن التعليم مازال بعيدا عن مستوى الطموح وأنه يمثل ثغرة يجب معالجتها على وجه السرعة ولذا فقد استقر في يقيننا جميعا أن تهيئة المواطن لمواكبة العصر لن يتحقق دون إصلاح جذري للتعليم بكافة مراحله ومستوياته ودون إعادة النظر في مضمونه ومناهجه ووسائله ومرتكزاته ودون توفير بنية تعليمية حديثة وسليمة وقيادات تربوية قادرة على التفاعل الخلاق مع معطيات عصر تكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي.
مبادرات تعليمية
لقد أفسحت الرؤية التطويرية المجال أمام تعدد وتنوع المبادرات التعليمية والتي تستهدف بالأساس رفع مستوى كفاءة العملية التعليمية وتحسين مردودها ومخرجاتها وآلياتها وتسريع وتيرة عملها وإنجازاتها. لقد عقدنا العزم على الارتقاء بمستوى جامعاتنا باعتبارها مركز إشعاع علمي وفكري وحضاري فكانت الاتفاقيات المتنوعة بين جامعاتنا والجامعات العالمية المرموقة بهدف تحسين ورفع كفاءة الأداء التعليمي بجامعاتنا وتخريج مواطنين أكفاء واكتساب المزيد من الخبرات والارتقاء بوسائل وأساليب البحث العلمي.
رعاية وعناية
لقد أصبحت دولة الإمارات بحق نموذجا يحتذى في توفير العناية والرعاية للطفولة والأمومة وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة على مستوى العالم ونحن نقدر عاليا جهود مؤسسة التنمية الأسرية وكافة الهيئات المماثلة بالبلاد لدورها الداعم للاستقرار الأسري وتعزيز الروابط بين كافة أفرادها والعمل على تنمية مواردها المادية.
لقد استلهمت الرؤية الإستراتيجية المستقبلية روح العصر فكرست نهج التعاون والتنسيق بين كل ما هو اتحادي ومحلي بهدف تحديث آليات صنع القرار ورفع كفاءة وفاعلية الأجهزة الحكومية وتقوية نظمها التشريعية والقانونية والتنظيمية وتنمية الموارد البشرية والارتفاع بمستوى كفاءة القطاعات الإنتاجية والخدمية.
الطاقة المتجددة
إننا نسعى بجدية تامة لتعزيز فرص التنويع الاقتصادي في مجال الطاقة المتجددة وذلك من خلال مدينة مصدر الرائدة في تحقيق بيئة نظيفة وخالية من الكربون والنفايات وقد حققت الدولة إنجازا تاريخيا كبيرا على المستوى الدولي باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة /ايرينا/ لتكون الإمارات شريكا ومحفزا مع دول العالم المتقدم في صناعة الطاقة ولتكون الإمارات أول دولة خارج أمريكا وأوروبا تحتضن مقر وكالة دولية رئيسية.
ومازالت دولة الإمارات مستمرة في انتهاج سياسة توسيع وتنويع القاعدة الإنتاجية ومصادر الدخل ومازالت ملتزمة بتطبيق سياسة الاقتصاد الحر والمفتوح وضمان حرية تدفق وتداول رأس المال رغم ما أفرزته الأزمة المالية العالمية من سلبيات طالت تأثيراتها بعض جوانب أنشطتنا الاقتصادية والمالية والاستثمارية إلا أن هذه التأثيرات المعاكسة سرعان ما تلاشت بفضل جملة من الإصلاحات والتعديلات الحكومية السريعة والتي أدت لإنعاش الاقتصاد الوطني وتعزيز القدرة التنافسية واسترداد الثقة بالأسواق المحلية.
لقد أدت هذه السياسات إلى تحقيق نتائج غير مسبوقة في المجالات الاقتصادية والصناعية والسياحية والترفيهية والثقافية وقفزت مؤشرات نمو الاقتصاد الوطني إلى معدلات قياسية ونحن ندرك أن الاستمرار في تحقيق هذه النجاحات يتطلب الاستمرار في تقديم رؤى استثمارية غير تقليدية ومتابعة حكومية جادة وتحديثا وتفعيلا للقوانين وآليات تنفيذها.
إن التوجيهات السامية بتقديم مزيد من الدعم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة للمواطنين والانتقال المتدرج إلى الاقتصاد المرن والصناعة ذات الكثافة الرأسمالية والتقنية العالية.. كل ذلك شكل قاعدة واسعة للإنتاج والخدمات وهيأ مزيدا من فرص العمل الجاذبة أمام مواطنينا. إننا في دولة الأمارات نعمل في آن واحد لحاضر الوطن ومستقبل أجياله ويأتي في مقدمة ذلك الصناديق الاستثمارية التي تستثمر في الخارج وفق أسس اقتصادية وليس لاعتبارات سياسية ودون المساس بثوابتنا الوطنية ونحن نعمل في الغالب على أساس الاستثمار طويل الأجل لإيماننا الراسخ بأن استثماراتنا هي جزء من التزامنا تجاه أجيالنا القادمة التي قد لا تتوافر لها الإمكانيات المتاحة للجيل الحالي خاصة أن النفط الذي يشكل نسبة عالية من مصادرنا المالية هو بطبيعته سلعة ناضبة.
ان الاهتمام بالإنسان وتوفير كامل الرعاية الصحية له شكل على الدوام أحد مرتكزات استراتيجية التنمية المستدامة باعتبار أن الإنسان السليم والمعافى هو الأجدر والأقدر على المساهمة الفعالة في تنفيذ خطط التنمية الشاملة وصنع الغد الأفضل.
إن تعميق مفهوم الهوية الوطنية الواحدة في ظل دولة الاتحاد شكل نقطة جوهرية نعمل على تحقيقها من خلال ترسيخ مبدأ الحوار الوطني وإشاعة مناخ ديمقراطي سليم يسمح بتقابل وجهات النظر وإتاحة الفرصة كاملة أمام المجلس الوطني الاتحادي لطرح ومناقشة كافة القضايا التي تشغل الرأي العام بروح الشفافية والمصداقية والموضوعية.
لقد حرصنا في دولة الإمارات على اتخاذ مزيد من الإجراءات للارتقاء بمستوى مؤسساتنا في مجال العدل والقضاء كما أن حرصنا على استضافة بعض وسائل الإعلام العالمية على أرضنا يستهدف خلق بيئة تنافسية صحية في مجال الإعلام ورفع سقف حرية الرأي والتعبير. كما رسخت الدولة مكانتها في صناعة السياحة ورصدت إمكانيات كبيرة لإقامة العديد من المشروعات السياحية الكبرى التي تساهم في رفع قيمة مساهمة السياحة في الدخل الوطني.
(وام)
