تفاعلت إمارة دبي مع افتراءات وأكاذيب الحملة الإعلامية الشرسة بمواصلة انتهاج سياسات «الشمس المشرقة» باعتبار أن غياب الشفافية يفاقم مضاعفات الأزمة، ويزيد المخاوف، وينشر الإشاعات، وفي النهاية، يدخل الجميع في دائرة مغلقة غير معروف كيفية الخروج منها، وبالتالي، وعندما يجري اتباع سياسات الشمس المشرقة، يكون بالمقدور استعادة الثقة، حيث يكون بالمقدور معرفة ما يحدث فعلا وإلى أين يتجه الاقتصاد، فالثقة في المحك النهائي هي عبارة عن مفهوم مجرد لا يمكن رؤيته أو لمسه، ولكن يمكن إدراكه والإحساس به.
وتتجلى سياسات الشمس المشرقة في الإقرار العام في دبي بحقيقة التحديات المالية التي تواجهها، وأن هذه التحديات هي نتيجة للأوضاع العالمية، ولكن تبقى مقومات الاقتصاد الإماراتي تتميز بالقوة، سواء من ناحية السياسات التي جرى اتباعها والتي ساهمت في تنويع هيكل الاقتصاد الإماراتي، أو من ناحية زيادة انفتاحه على العالم الخارجي، وتحرير سياسات العمالة والتوظيف، ومن شأن تضافر هذه الاعتبارات مجتمعة أن تساعد الإمارات على استعادة الانتعاش، والخروج من معدلات النمو المنخفضة.
ولعل المؤشر الدال بقوة على عمق الوعي لدى إمارة دبي بأهمية تغطية والوفاء بالتزاماتها، هو قيامها بطرح برنامج بقيمة 20 مليار دولار، واكتتب فيه مصرف الإمارات المركزي بكامل الشريحة الأولى البالغة قيمتها 10 مليارات دولار في وقت مثالي، وعزز هذا الطرح الثقة في قدرة الإمارة على مواجهة التداعيات للأزمة المالية العالمية، وتلبية الاحتياجات التمويلية، والمساهمة في إعطاء دفعة قوية لتعافي وازدهار القطاعات الاقتصادية.
وتغض افتراءات الحملة الإعلامية النظر عن حصافة السياسات التي اتبعتها إمارة دبي، فمنذ تفجر الأزمة المالية العالمية، نظرت إمارة دبي إليها على أنها تنطوي على فرص للتطور والنمو، وأن المستقبل يبنى من قلب التحديات.
روح الانطباعية
وتسود لهجة الحملة الإعلامية الموجهة إلى إمارة دبي روح الانطباعية، وتمتلئ مفرداتها بالكثير من الأفكار التي تجافي حقائق الواقع الموجودة على الأرض، وأبرز هذه الحقائق التي يجب الأخذ في الحسبان، هو التسليم بواقع أن الانطباعات لا تتطابق دوماً مع الوقائع، وأنه من الأحرى للمحللين أن يأخذوا بعض الوقت في التفكير والتحليل.
حيث يبرز اقتصاد دبي جليا أمام العيان بأنه في موقع يتيح له الانطلاق بقوة عندما تتابع الدورة الاقتصادية حركتها والتي تأثرت بها جميع القوى الاقتصادية، حيث صارت دبي جزءا مندمجا في جسد النظام الاقتصادي العالمي، وباتت في موقع يجعلها أبعد ما تكون عن أن تنأى عن مجريات الأحداث العالمية.
فعلى الرغم من أن الأسواق المالية العالمية بما في ذلك المراكز المالية الراسخة تواجه تداعيات الأزمة المالية العالمية وتعمل على حل العديد من المسائل المتعلقة بالتغييرات التنظيمية والتدخل الحكومي والضرائب، فإن المراكز المالية في الأسواق الناشئة، وبالطبع إمارة دبي كمركز لصناعة المال على المستوى العالمي، تحظى بفرصة ذهبية للعب دور أكبر في القطاع المالي العالمي خلال السنوات العشر المقبلة، بحيث تكمل أو حتى تأخذ جزءاً من الدور الذي لعبته المراكز المالية الكبرى حتى الآن.
يضاف إلى ذلك، أنه مع انتقال مركز الثقل المالي العالمي نحو الشرق، تحظى المراكز المالية الناشئة بفرصة لاكتساب مكانة مماثلة للمراكز المالية الراسخة في العالم. كما أنه بات واضحاً أن اقتصادات دول الخليج وإن تأثرت بشكل محدود بالأزمة المالية العالمية بسبب انفتاحها الاقتصادي والتجاري على العالم، فإنها قادرة على التحرك باتجاه أخذ دور أكبر ضمن المراكز المالية العالمية.
وتتبوأ دبي مكانة رائدة تؤهلها لأن تستفيد بالشكل الأمثل من هذه التطورات. وبالفعل، لقد بدأت دبي منذ بدء الأزمة المالية العالمية بتحديد فرص النمو الجديدة وللاستفادة منها.
ورغم جسامة التحديات التي تعرضت لها إمارة دبي، إلا أن ما تجاهلته الحملة الإعلامية هو أن دبي تمتلك الكثير من عوامل القوة الكامنة التي بقيت سليمة بالرغم من الظروف الاقتصادية السائدة، ومن هذه العوامل، البنية التحتية المتطورة، والبيئة التنظيمية الممتازة للقطاع المالي، والانفتاح على العالم، والأسس الاقتصادية القوية، وحضور الشركات الأجنبية، ووجود الاستثمارات الخارجية بكثافة في دبي.
وقد طرحت أزمة الائتمان العالمية نوعين من التساؤلات، يتعلق أولهما بمدى ونطاق تأثيرات هذه الأزمة على أسواق الائتمان في منطقة الخليج بشكل عام والإمارات على نحو خاص، فيما يتصل ثانيهما بنوعية القطاعات التي ستكون أكثر انكشافا أمام مخاطر هذه الأزمة، واجتهد المحللون في تسليط الضوء على أسباب تداعياتها على الأسواق المالية، وتقييم المخاطر الناجمة عن انتقالها إلى الأسواق وسياسات وإجراءات التخفيف من آثارها.
ويقف صندوق الدعم المالي الذي أطلقته دبي مؤخرا كخير شاهد على التفاعل الحصيف للإمارة مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، وثمن محللون هذا الأسلوب بأنه يسهم في تلبية احتياجات السوق من ناحية تعزيز مستويات الإفصاح والشفافية.
كما أنه يوفر آلية تعين على الوقوف على الحجم الحقيقي للتحديات الناجمة عن الأزمة المالية العالمية، وفي التوقيت ذاته، يضع هذا النهج المؤسساتي إمارة دبي على طريق توفير آلية للإنذار المبكر للأزمات، على نحو يجعلها قادرة على التفاعل السريع مع أي أزمات مستقبلية، بحيث تخرج إمارة دبي من عنق زجاجة هذه الأزمة، وقد تجهزت بالأدوات والآليات التي تكفل لها معالجة مختلف التحديات الناجمة عن اندماجها في الاقتصاد العالمي.
وقد تميزت السياسات التي اتبعتها دولة الإمارات بشكل عام ودبي على وجه الخصوص في التعامل مع الأزمة المالية العالمية بروح الابتكار، فلم تكن مجرد استجابة لتحديات الأزمة، فعلى مستوى السياسات النقدية، جرى ضخ سيولة لإنعاش أسواق الائتمان والقطاع المصرفي، وعلى مستوى السياسة المالية، تم الإعلان في إمارة دبي عن ميزانية تنطوي على عجز، ولكن مثل هذا العجز يعد الأول من نوعه على مدار ست سنوات، حيث سجلت الميزانيات خلال هذه السنوات فوائض. وبالتالي، تتسم مقومات اقتصاد الإمارات بالقوة.
حيث قادت الفوائض المالية المتحققة على مدار السنوات الست الماضية إلى تراكم رأسمالي كبير، إذ بلغ متوسط هذه الفوائض ما يتراوح بين 5 و6% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي، تظل حالة الاقتصاد الإماراتي في عام 2009 تتسم بالصحة والعافية.
وعلى الرغم من أن الإمارات تخطط لتحقيق أفضل النتائج، إلا أنها في الوقت نفسه تضع في حسبانها أسوأ السيناريوهات، وتتطلع إلى اللحظة التي تكون فيها مثل هذه السيناريوهات السيئة خلف ظهرها، ورغم كل التحديات، مازالت الإمارات متمسكة بنهج الانفتاح، كما أنها تتبع اقتصاداً مفتوحاً.
سياسات استباقية
وقد اتبعت الدولة سياسات استباقية في معالجة تداعيات الأزمة، سواء من ناحية ضمان الودائع في البنوك، أو من ناحية ضخ السيولة النقدية، أو من زاوية ضمان الائتمان، وقد ساهمت هذه الإجراءات في الحفاظ على استقرار أسواق الائتمان والنظام المصرفي، وهو ما قاد كذلك إلى تخفيف الضغوط على السياسة النقدية.
وتدحض عناصر القوة التي تمتلكها إمارة دبي الانطباعات المغلوطة في وسائل الإعلام الغربية والتي يحلو لها النظر إلى الجزء الفارغ من كوب الماء، وذلك بالترويج لمزاعم أن دبي تفتقر إلى الملاءة المالية التي تغطي ديونها، ولكن الواقع يقول ان بناء دبي الحديثة لم يتم بالاعتماد كلياً على التسهيلات الائتمانية، إذ إن النمو الذي شهدته دبي في الماضي كان يعتمد على حقوق الملكية وليس على الدين.
وتتجاهل كذلك الحملة الإعلامية المضادة لدبي حقيقة أن طبيعة الديون في دبي مختلفة كلياً عن المديونية في أسواق أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، حيث استخدمت الدين لتمويل عجز الإنفاق وزيادة الاستهلاك.
بينما تم اللجوء إلى الدين في دبي من أجل بناء مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة، وهي استثمارات قادرة على تغطية نفقاتها ذاتياً ومن شأنها تعزيز الاستطاعة والقدرات الإنتاجية.
وتتجاهل الحملة الإعلامية عن عمد حقيقي، أنه على الرغم من أن دبي قد تأثرت مثل غيرها بالأزمة الاقتصادية العالمية إلا أنها تمتلك آليات لتجاوز المحنة التي عصفت بالاقتصاد العالمي وقد بدأت فعلا التعافي وشرعت بالخروج من هذه الأزمة وتتمثل مؤشرات التعافي في تصاعد مؤشرات السوق المالي لدبي مجددا واستمرار التصاعد على نحو متواتر من فترة إلى أخرى، وعودة الثقة بالمؤسسات المالية والمصرفية في الإمارات العربية المتحدة ككل.
تجربة فريدة
كذلك تتجاهل الحملة المعادية لدبي حقيقة أن التغييرات التي جلبتها دبي على خريطة المال العالمية تعد فريدة من نوعها وساهمت في نقل المنطقة نقلة كمية ونوعية كبيرة في عالم المال والأعمال على مستوى العالم، ووضعت المنطقة العربية والشرق الأوسط بفاعلية وبروز واضح على خارطة المال في العالم، كما غيرت نظرة العالم إلى المنطقة العربية والشرق الأوسط ككل.
حيث إنها لم تعد تنظر إليها كمنطقة تزخر بالنفط فقط، بل منقطة يمكنها أن تنجح بشدة كمركز عالمي لتقديم الخدمات المالية ينافس اعتى مراكز المال والأعمال في العالم، كما أن إمارة دبي نجحت في تحويل النظر والصورة الذهنية عن المنطقة من منطقة استهلاكية في العالم، إلى منطقة جاذبة للاستثمارات وموزع لها في ذات الوقت، بمعنى أن تكون جاذبة للاستثمارات العالمية إليها ومنها تتوزع إلى المناطق المحيطة، وهو ما ظهر في تواجد مؤسسات مالية عالمية وشركات عملاقة اتخذت من دبي مركزا إقليميا لها.
ولم تكن تفكر هذه الشركات أن تتواجد في هذه الرقعة الجغرافية من العالم، لولا نجاح دبي في إرساء مكانتها المالية في قلب المنطقة الممتدة بين المراكز المالية في أوروبا وجنوب شرق آسيا والتي تضم أكثر من 50 دولة يقطنها ما يزيد على ثلث سكان العالم، ما جعلها بحق مركزا ماليا لم تكن المنطقة فقط بحاجة إليه، ولكن كل عالم المال والأعمال والخدمات المالية في العالم، حتى يتمكن من خدمة هذا الجانب الكبير من العالم، بل ويكون مصدرا أيضاً إلى الدول الكبرى ومتفوقا عليها.
ومثل هذه التغييرات الجذرية التي جلبتها دبي للمنطقة العربية، أضفت الكثير من الأهمية على هذه المنطقة التي عانت من التهميش؛ تهميش المنطقة العربية والشرق الأوسط لصالح جنوب شرق آسيا، ولم يأت كل ذلك من فراغ بل جاء من خلال قيادات سياسية حكيمة في دولة الإمارات مؤمنة بدورها وبلادها وموقعها ووفرت كافة الإمكانات والجهود لتحقيق هذه الرؤية.
وعلى نفس المنوال، تتجاهل الافتراءات الإعلامية حقيقة تصميم الإرادة السياسية على تجاوز الأزمة، حيث إن هذه الإرادة لا تدخر وسعا في العمل على الحفاظ على مكتسبات النهضة الاقتصادية التي حققتها إمارة دبي في وقت وجيز.
كما أنها تعمل على الحفاظ على قوة ومتانة مختلف المؤسسات والشركات، سواء كانت عامة أو خاصة، وهو ما يعبر بوضوح عن اقتناع راسخ بأن الإرادة الحكومية هي الوحيدة التي ستستعيد الثقة، فهي التي تضع القواعد والأسس في الانطلاق وتجاوز تداعيات الأزمة، ولعل السؤال المطروح بشأن ما إذا كان من المقدر بعد فترة من الوقت نسيان الأزمة، ومن ثم، الوقوع في نفس الفخ مجددا، هل تطور إمارة دبي قدرات مؤسساتها على التعامل السريع مع أي أعراض أزمة مستقبلية؟.
تعهدات
سجل دبي يزخر بشواهد على الوفاء بالالتزامات
أظهرت دراسة نشرت مؤخرا نجاح دبي في الوفاء بكل ما ترتب عليها من التزامات دين حتى قبل مواعيد استحقاقها لتبدد بذلك الشكوك التي دارت حول قدرة شركات الإمارة على سداد ديونها في ظل تبعات الأزمة المالية العالمية التي كانت لها انعكاساتها على اقتصاد الإمارة شأنها شأن بقية دول العالم، وتمكنت شركات حكومة دبي من سداد وإعادة تمويل ديون تزيد قيمتها على 7 .11 مليار دولار منذ بداية الأزمة إلى اليوم.
وتبلغ قيمة التسديدات التي قامت بها شركات دبي الحكومية منذ بداية العام الجاري حوالي 65 .9 مليار دولار، حيث قامت بورصة دبي العالمية في فبراير بإعادة تمويل قرض بقيمة 8 .3 مليارات دولار بعد حصولها على قرض بقيمة 5 .2 مليارات دولار لإعادة تمويل تسهيلات الضمان التي تم استخدامها لتمويل استثماراتها في مجموعة «ناسداك أو أم إكس» وبورصة لندن.
ووفقاً لبيانات من تقرير «ميريل لينش» فإن «دبي انترناشيونال كابيتال» تمكنت من سداد استحقاقات بقيمة 854 مليون دولار، كما سددت مجموعة دبي القابضة التزامات بقيمة 300 مليون دولار استحقت على شركة سما دبي التابعة لها في الشهر الماضي.
ووفقاً لبيانات «دويتشه بنك» حصلت دبي لصناعات الطيران على قرض بقيمة 500 مليون دولار لإعادة تمويل ديون مستحقة عليها. وحصلت ليمتلس التابعة لدبي العالمية على قرض بقيمة 500 مليون دولار لإعادة تمويل ديون مستحقة هذا العام أيضاً. وتمكنت شركة إينوك هذا العام من سداد دين بقيمة 500 مليون دولار.
وبلغت بذلك القيمة الإجمالية لتسديدات ديون الشركات الحكومية وشبه الحكومية في دبي حوالي 65 .9 مليار دولار ويمثل هذا الرقم حصة تزيد على 74% من إجمالي استحقاقات الدين على شركات دبي للعام الجاري وفقاً لتقديرات دويتشه بنك وميريل لينش التي تقدر هذه الالتزامات بحوالي 13 مليار دولار.
دبي ـ مجدي عبيد
