اصطحبنا والدي.. شقيقتاي وأنا في رحلة بحرية على متن إحدى بواخره لكونه أحد النواخذة ذوي العلاقة الطويلة والعميقة مع البحر، وخبرته في السفر إلى أعالي البحار ممتدة.

ومع تلك الخبرة إلا أنه عجز عن أن نتعلم السباحة، رغم أن بيتنا مطل على البحر مباشرة. كان أبي كثير السفر وحين يعود فإنه يقضي معظم وقته في متابعة تجارته خارج البيت، حتى تسنى له اصطحابنا في تلك الرحلة ليكسر لدينا حاجز الخوف من مياه البحر.

كانت الرحلة ممتعة بدأناها مع الصباح الباكر من النهار، منطلقين من الشارقة حتى رأس الخيمة، ثم عاد بنا وكان الغروب يوشك أن يحين.

تلك الرحلة نجحت في خلخلة رهبة غير مبررة أقامت في نفسي مدة طويلة، فتحمست للبحر وضمرت في نفسي استعدادا لتعلم السباحة في أقرب وقت، وتذوق تلك المتعة التي طالما تحدثوا عنها وطالما امتلكت أبي إلى هذا الحد.

وبمجرد أن أخذت المرساة وضعها تحت الماء أنزل البحارة (الدوسة) وهي خشبة يثبت طرفها على حافة السفينة وطرفها الآخر على الشاطئ في هيئة سلم متحرك، نزلت ونزلت شقيقتي الثانية ووقفنا في انتظار شقيقتنا الثالثة الصغرى، كنا ننظر إليها .

وهي تضع قدمها على الخشبة، وما لبثت أن قطعت بضع خطوات حتى شعرت باختلال الدوسة تحت قدميها فتراجعت ولا نعلم لم اتخذت قرارها بالقفز في الماء بدلا من المحاولة مرة ثانية للنزول عبر الدوسة، كانت شقيقتي قد اختفت تماما وأخذتنا الصدمة فتوقفنا شقيقتي الثانية وأنا كما لو كنا صنمين، حتى أننا لم نطلب النجدة لها لولا يقظة أحد البحارة .

وكان يحمل كيسا من الاسمنت لينقله للدوبة الراسية بالقرب من الباخرة التي أقلتنا، والدوبة آلة لحمل الأوزان الثقيلة وإيصالها للبواخر في عرض البحر أو العكس، تلك اليقظة جعلته يلقي بالكيس في جهة ويقفز خلف الفتاة التي ابتلعها البحر وتاهت بين الدوبة والباخرة. مرت لحظات أو ربما دقائق كنا كمن غاب عن الشعور والوعي تماما قبل أن يظهر الرجل من البحر حاملا فتاة منكمشة ذابلة من البلل بالطبع ومن شدة الخوف.

مر على تلك الحادثة إلى اليوم أكثر من ثلاثين عاما، لكن تلك الأعوام لم تنجح في محو تفاصيل الحادثة من مخيلتي وذاكرتي وذاكرتي شقيقتي، كما لم تنجح في تنفيذ قراري بتعلم السباحة، فقد عشش في نفوسنا ما يسمى بفوبيا الخوف. ولسنوات خلت وما زالت ونحن كلما اجتمعنا فلا تخلو أحاديثنا من إعادة شريط الحادثة بكل التفاصيل.. الثوب الذي كانت ترتديه الغريقة..

شكله طوله ولونه، وما كان يرتديه العامل المنقذ.. هيئته حركته تصرفه... وإذ نصل إلى ختام الحكاية، يستحكم فينا الخوف، زخم خوف لم يقتصر علينا نحن الشقيقات الثلاث بل إننا أورثناه لأولادنا مع الأسف. وها نحن نتساءل ونعاتب أنفسنا.. فإن كنا قد بلغنا من العمر الذي نتجاوز به عن التمتع بالسباحة والبحر، فما ذنب أولادنا بأن نحرمهم من هذه المتعة. لاشك أن الأولاد سيقهرون خوفهم ذات يوم قريب، بينما نحن فحالتنا تبدو أبدية مستعصية.

فاضلة عبدالرحمن ـ الشارقة