لا يكاد لسانها يتوقف عن اللهج بالدعاء والشكر الله، فالظروف التي مرت فيها كانت كفيلة بتحطيم المعنويات وان علت، فرحلتها بدأت منذ اللحظة الأولى التي شعرت فيها بوخز خفيف في صدرها، تبعتها بروز ندبات دهنية لتثير في نفسها الخوف والاستغراب، فلم يسبق لها أن شاهدت ذلك في حياتها، ولتقطع الشك باليقين بدأت رحلة «اللف» على الأطباء الذين اجمعوا على أنها أكياس دهنية لا خوف منها، ورغم تطمينات الأطباء إلا أن الخوف ما زال يعشعش في قلبها، لتقرر عرض نفسها على طبيب متخصص في دولة أخرى.

في تلك الأيام كان الصيف قد أسدل ستاره على البلاد بكل ما يحمله من هواء ساخن ورطوبة قاتلة، ليبدأ الجميع بالتخطيط لاستغلال الإجازة وتمضيتها في مكان يكون فيه الهواء البارد سيد الموقف، ولتبدأ هي بإعداد نفسها للسفر نحو احدى الدول العربية في رحلة بحث عن علاج لندباتها، وفي تلك الأثناء كان أهلها يعدون العدة للسفر نحو ذات الدولة، ولأن السفر لا يحلو إلا بالجماعة فقد اتفق الجميع على السفر في ذات اليوم والنزول في بيت واحد حتى يكونوا قريبين من بعضهم البعض، فلا أحد يدري كيف تسير الأمور هناك.

بدأت هي بلملمة ما تحتاجه وأسرتها في السفر، في حين خيمت الفرحة على الجميع حين علموا بأن السفر سيكون بعد أيام قليله، وفي ذلك اليوم اجتمع الجميع في ردهة المغادرين بمطار دبي الدولي، وسرعان ما انتقلوا منه إلى حضن الطائرة التي ستقلهم إلى وجهتهم، لتبدأ لسانها يلهج بالدعاء والاستغفار، وتلاوة دعاء السفر «سبحان من سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون»، لم تتوقف «سلام» عن الدعاء وقراءة بعض ما تحفظ من آيات القرآن حتى بعد استقرار الطائرة فهي تخاف كثيرا من الطيران الذي استمر لثلاث ساعات تقريبا مضت عليها وكأنها ثلاث سنوات طوال.

لم تستطع نسمات الهواء الباردة تخليصها من قلقها خاصة وأنها ساعتها تقترب كثيرا من موعد الطبيب الذي توجهت إليه برفقة أختها وزوجها، وهناك بدأت أصابع الطبيب بمعاينة الندبات الدهنية، وفي كل مرة كان تقاطيع وجهه تتغير استغرابا، يبدو أن أصابعه قد اكتشفت شيئا خطيرا.

ولكن لم يكن لسانه يبوح إلا بأسئلة كثيرة حول ما إذا سبق وان ظهرت هذه الأعراض على احد في العائلة، أو أن احد أصيب بأمراض خبيثة، وقبل أن يعترف بما توصل إليه فضل أن يرى نتائج التحاليل المخبرية فهي الوحيدة القادرة على إثبات أو تفنيد شكوكه، مرت ساعة من الوقت وكأنها دهرا لتطل التحاليل برأسها معلنة عن وجود إصابة بسرطان الثدي، وهو ما شكل صدمة لها ولرفقتها، لتنقلب رحلة الانبساط إلى حزن وبكاء.

بدا لسان الطبيب متلعثما وهو يعترف بحالتها، مبررا انه من النوع الذي يفضل مصارحة المريض، ورغم ذلك لم تتوقف نوبة البكاء التي دخلها الجميع، ليبدأ الطبيب بتذكيرهم بحمد لله وشكره على كل شيء، وليحاول طمأنتها بالشفاء عبر الخضوع إلى جلسات العلاج الكيميائي الذي يجب أن تبدأ فيه فورا، وبانتهاء أولى جلسات العلاج قررت قطع إجازتها والعودة إلى الدولة.

ولتبدأ فيها رحلة العلاج الكيميائي الذي سرعان ما افقدها حيويتها وجمالها، وفي كل مرة كانت تقترب من الله أكثر ليلهج لسانها بالدعاء والحمد على كل شيء، وفي كل مرة كانت نتائج العلاج تشير إلى الأفضل، حتى استطاعت بفضل الرحمن من استئصال أخر الخلايا السرطانية من جسدها لتعود إلى الحياة مرة أخرى مسلحة بالإيمان بقدرة الله على الشفاء.

غسان خروب