قال الشيخ: للعيد فرحته التي قد لا تتفق مع الحديث عن البلاء وأسراره، تلك الفرحة التي ربطها الشارع بتمام الطاعات، فكان عيد الفطر بعد صيام رمضان وكان عيد الأضحى بعد الحج والأيام العشر الأوائل من ذي الحجة وفيها ما فيها من عطاءات المولى عز وجل ونفحاته لكل الناس في كل أرجاء الأرض وليس للحجاج فقط. والطاعة من جملة ما فيها أو في وجه من وجوهها تقتضي الصبر، إذ فيها قد ينصرف الإنسان عن ملذات حواسه قاصدا رضا ربه عز وجل، حتى إذا قضى خطوات في طريق الطاعة بالإقبال على ما أمر الله به والإدبار عما نهاه الله عنه انقلبت مرارة الصبر في فمه إلى حلاوة يجدها في قلبه وتلك حال من السعادة والأمان والاطمئنان والرضا يضل الكثيرون الطريق اليها.

واقف هنا عند (الصبر) الذي تنميه الطاعات، الصبر في الاقبال والادبار اللذين ذكرناهما، فكأننا بهذا الصبر نمارس مرانا نكتسب به القدرة على التحمل، وكم تلزمنا هذه القدرة لنواجه بها الشدائد والأزمات، من هنا كانت الطاعات كلها مدارس تخرج رجالا ونساء يملكون جميعا كل اسباب التعامل مع الابتلاءات في حين أن من لم يسلك باب الطاعة مرجحا رغباته ونزواته القريبة العاجلة تجده والأرض تهتز تحت قدميه وهو يتزلزل زلزلة شديدة أمام أدق المحن.

من هنا يمكن القول ان العيد عند المسلم هو فرحة بقدرته على بلوغ درجة اعلى من القرب إلى الله تعالى من جهة ومن القدرة على ضبط النفس والسيطرة عليها وإكسابها كل ما تحتاجه لمواجهة صراعات الدنيا وشدائدها من جهة أخرى، وليس هذه ولا تلك بالقليل ابدا ثم لننظر إلى طبيعة (الطعم) أو (اللقاح) الذي يأخذه الإنسان حتى لا يصاب بمرض شديد قد يقتله مستقبلاً، أليس هو مؤلفاً من جرثومة المرض نفسه وقد ضعفت لتكسب الجسم قدرة على مقاومة المرض وصرعه في مستقبل حياته؟ كذلك هي الابتلاءات عند المؤمن تكسبه مع طاعة ربه وفهمه عنه قدرة على مقاومة ابتلاءات اشد، أليس في الصبر على الصداع تمرينا على الصبر على الألم قد تنجم عن أمراض محتملة في حياة كل منا؟ أليس في الصبر على الضيق المادي تمرينا على الصبر على فقر قد يقع فجأة على امرئ وقد لا يستطيع له ردا، فكل ابتلاء عند المؤمن هو مع الصبر دواء لابتلاء آخر قد يقع عليه يوما، وهذه سنة لا بد من الوقوف عندها فهما وتربية لأنفسنا وأولادنا.

ثم ألا نستطيع القول إن للابتلاء فضائل منها انه قد يقضي على العجب بالنفس وتضخم الذات ويعيد الإنسان إلى إدراكه الصحيح لموقعه من العالم ومن خالقه سبحانه وتعالى؟ أليس من فضائله انه قد يصرف الإنسان عن عصيانه لربه عائدا به إلى حظيرة الطاعة والقرب والحب؟ أليس من فضائله انه قد يصرف الإنسان منعطفا به عن ابتلاء آخر قد يكون اشد وانكى؟ أليس فيه علو المنزلة وتكفير السيئات ورفع الدرجات وتمام الأجور؟ لا يقدر الإنسان مهما بلغت قدراته الشخصية أن يصارع ابتلاءات الدنيا-وهي أمر واقع- دون هذه الخريطة الذهنية الإيمانية، فالإنسان منا اعزل دون مدد الله وعونه لا يقدر على تحمل ذبابة تقف على انفه في حين أن مدرسة الصبر على الطاعة والبلاء تحت مظلة الإيمان بالله والفهم عنه صنعت حضارة ورجالا ما نزال نفاخر بهم إلى يومنا هذا.

واختم بكلام قيم للامام ابن القيم رحمه الله: فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته ولهذه كان اشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأقرب إليهم فالأقرب، يبتلى المرء حسب دينه فإن كان في دينه صلابة شدد عليه البلاء وان كان في دينه رقة ضعف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة

ماهر سقا أميني