حن تلم بنا الأحزان ونوشك على القنوط علينا ألا نستسلم لليأس وألا ننسى الأمل بالله. علينا أن نتذكر الكريم القوي المعين.

نحن الأمهات لا يزلزل كياننا ولا يطيح بعنفواننا وقوتنا، ولا يدفع بنا إلى هاوية الاضطراب وحافة الجنون إلا حالة واحدة هي مرآى فلذة كبد إحدانا تحت وطأة الم أو أذى بحكم القضاء والقدر، أو فقده، وإذ يحدث ذلك لا يمكننا فعل أي شيء له لنرد عنه الألم أو نخففه عنه، وبالطبع لا يمكن استعادة ما فقد.

تمثلت تجربتي الكبرى أثناء ولادتي الأولى، حيث تعرضت الوليدة لمضاعفات فاقمها الإهمال الطبي حينها ليتوفاها الله مختنقة بعيد لحظات من مولدها.

فلو كان الأمر مقتصرا على مرض أو تشوه أو ما إلى ذلك لتمنيت ودعوت الله أن يجعل ألمها في علما أنه المحال، فحين يكتب شيء لامرئ فليس لسواه حمله ولا راد لقضاء الله إلا بأمره.

هكذا وجدت نفسي منهارة كأم لم تكتمل أمومتها، أكابد آلاما نفسية وبدنية وروحية، لا طاقة لشابة في تجربة أمومتها البكر. أدور كالمجنونة وصغيرتي لحم يحمل ليدفن بعد ساعات. كانت أياما شديدة القسوة علي وعلى زوجي وأسرتينا.

كنت قد أعددت كل شيء للوليدة، الملابس الزاهية، والمهد الدافئ أحدهما متنقل وآخر ثابت، وجهزت الغرفة وأدوات التنظيف والزيوت وكل ما يمكن تجهيزه لرضيع، لكن الفرحة لم تتم فآمنت بقضاء الله وقدره وتمكنت بفضل المحيطين بي من تجاوز المحنة ووجدت في التقرب إلى الله بعمل الخير أكثر.. الكثير من السلوى التي أعادت إليّ سكون نفسي.

مضت سنوات وأكرمني الله بطفلة، عوضت فرحي وأنستني اللوعة، وجعلني ذلك احمد الله أكثر مما كنت، وأزيد في الصدقات تقربا إلى الله، وهكذا كنت أدفع البلاء عن صغيرتي بالصدقات، وجاءت طفلتي الثانية، وجاء الفرح العميم وتواصل الشكر إلى الله على فضله ومنته علينا بذرية صحيحة البدن.

وذات يوم وأنا أقوم بإرضاع الطفلة وإذ تتعرض لما يسمى الارتجاع المريئي، ودخلت الصغيرة مرحلة الاختناق، واخذ لونها يميل إلى الأزرق ثم السواد، وهنا سقطت يدها الصغيرة بلا حراك وبدت الروح تفارقها حيث توقف التنفس وبرد جسدها تماما، كل ذلك ونحن في طريقنا مسرعين بها إلى المستشفى، أعلن شقيقي أن الصغيرة ماتت، لم أرد أن اصدق، وعاد إليّ ذلك السيناريو المحزن يوم فقدت شقيقتها الأولى، وصلنا إلى المشفى وأنا أتوسل إلى الله بأن لا يضعني في التجربة مرة ثانية، كنا وصلنا بوابة المستشفى وأنا غير مصدقة إني لن اسمع صياحها ولن أقوم بتحضير وجبتها ولن أغير لها ثيابها بعد الآن.

توقفت السيارة وهرعنا بها عبر الممر وحانت لحظة لا يمكنني وصف حالي فيها، سوى أني كنت تحت عين الله وبين يديه فتوسلته جهرا بقوة، وأنا ألوذ إليه والى كرمه وعطفه ودعوت بكلام مرتجل: يالله لوكنت فعلت خيرا في حياتي وتود إثابتي عليه في الآخرة، فاني أتوسلك وأرجوك أن تعجل لي به في الدنيا ولا تؤجله إلى الآخرة، وليكن سلامة ابنتي. اقسم بالله أنها لحظات فقط قبل أن تعطس الطفلة وهي بين ذراعي خالها، ويعود إليها نفسها. لقد أذهلتنا المفاجأة ودهش المسعفون، لكنها كانت لحظات من الامتنان إلى الله الذي تفضل علينا بالاستجابة للدعاء.