على الرغم من حملات التوعية المتوالية عبر مختلف وسائل الإعلام، والعديد من الندوات التي تعقد هنا وهناك، إلا أن مشكلة تعاطي المخدرات لا تزال تفرض نفسها عند بعض الشباب، والأصعب في هذه القضية هو فشل برامج التوعية سواء في المؤسسات العقابية أو عبر وسائل الإعلام.
وهو ما تقرره الباحثة لطيفة خادم الاختصاصية النفسية التي سلطت الضوء في دراسة حول أسباب العودة للتعاطي استهدفت فئة من النزلاء في السجن المركزي بدبي على الازدياد المطرد لأعداد المواطنين المتعاطين للمواد المخدرة وبالتالي الازدياد المطرد للعائدين لتعاطي المخدرات، ومن واقع الخبرة المتراكمة لدى الباحثة ترى بأن هنالك علاقة طردية بين زيادة عدد المتعاطين وبين عدد العائدين من خلال إحصائية الإدارة لعدد المواطنين المقبوض عليهم بقضايا متعلقة بتعاطي المواد المخدرة من عام 2000-2008.وقامت خادم بعمل استمارة تهدف من خلالها إلى التعرف على أسباب العودة لتعاطي المواد المخدرة من وجهة نظر المتعاطين أنفسهم شملت الاستمارة 60 نزيلا من أصل 94 ممن عادوا لتعاطي المواد المخدرة بعد إكمالهم لفترة عقوبة شملت إخضاعهم لبرنامج علاجي متخصص وكانت النتائج التي مثلت تحديات يجب وضع الإجراءات والتدابير الكفيلة لمواجهتها.
كما تقول إن ما يقارب 89 بالمئة من متعاطي المخدرات العائدين للتعاطي هم من فئة الشباب و إن 60 بالمئة منهم هم من غير المتزوجين مما قد يؤسس لمشكلة اجتماعية مركبة مرتبطة بارتفاع نسب المواطنين الذكور المتزوجين من غير مواطنات إذا ما افترضنا أن القيود الاجتماعية لاتزال حازمة تجاه متعاطي المواد المخدرة، وبالمقابل ارتفاع نسب العنوسة بين المواطنات نظرا للعزوف عن الزواج والخطير كما تشير الباحثة هو أن النتيجة قد تكون تفسيرا للنسب المرتفعة لإصابة البعض من متعاطي المواد المخدرة بمرض نقص المناعة المكتسبة الايدز.
جدوى برامج التوعية
وأشارت نتائج الاستبيان إلى أن نسبة 97 بالمئة من العائدين للتعاطي ممن هم قادرون على القراءة والكتابة، وبالتالي يمكن التساؤل عن مدى تأثير نشر التوعية على خفض نسب العائدين، كما أشارت النتائج إلى أن ما يزيد على 53 بالمئة إذا استثنينا الطلبة بنسبة 8 بالمئة يعملون بدوائر ومؤسسات حكومية، وهنا نتساءل أيضا كيف يمكن أن ننظر للعلاقة المتبادلة بين المؤسسة الحكومية وبين المتعاطي للمواد المخدرة من عدة مناحي، وقالت إن 53 بالمائة من أفراد العينة ممن عادوا لتعاطي المواد المخدرة مرتين أو أكثر وبالتالي فلابد من إعادة تقييم مدى نجاح البرامج والخدمات والإجراءات المقدمة من مختلف الجهات تجاه هذه الشريحة.
وقدمت الباحثة مجموعة من الأسئلة التي تهدف من خلالها إلى التعرف على أسباب العودة لتعاطي المواد المخدرة من وجهة نظر المتعاطين أنفسهم، مشيرة إلى أن هناك من يعتقد بأن مشكلة تعاطي المواد المخدرة هي مشكلة تقتصر فقط على الشخص المتعاطي سواء من حيث الأسباب أو من حيث النتائج ولكنها ترى بأن الشخص المتعاطي هو لبنة من لبنات المجتمع الذي يعيش فيه وبالتالي من هنا يمكن أن تكمن الخطورة وهنا يمكن أن يكون الحل.
توصيات
وتوصي الباحثة لطيفة خادم استنادا لنتائج البحث العلمي بدفع المؤسسات المجتمعية من القطاعين الحكومي والخاص إلى أن تلعب دور الرديف للمؤسسات المعنية للتعامل مع شريحة المتعاطين كخطوة فعلية للوقوف بوجه هذه الظاهرة، وتفعيل دور المؤسسات البحثية والجامعات والأفراد المؤهلة لإعداد البحوث المتخصصة والتي تتناول حيثية دقيقة من حيثيات الموضوع وبذلك يمكن المساهمة في الارتقاء بالبحث العلمي المتخصص والدقيق بعيدا عن البحوث العامة.
ودعت إلى تشكيل لجنة وطنية هدفها وقاية أفراد المجتمع على أن يرتبط عملها بشكل فعلي بالمؤسسات والجامعات والتجمعات الشبابية والتي يمكن أن تكون عرضة للاختراق من هذه الظاهرة عبر اختيار عينات عشوائية لإجراء فحوصات الكشف عن المخدرات بهدف تأسيس رقيب مؤسسي على المجتمع.
وأوصت الباحثة بتفعيل دور المؤسسات الإعلامية في مكافحة ظاهرة العودة للإدمان عبر الإعلام العلمي المؤثر المدروس وأن نخرج من ظاهرة الإعلام الدعائي والعمل على استقدام بعض المتخصصين والخبراء في مجال التقييم النفسي والعلاج النفسي وبخاصة إن الإدمان قد يكون البوابة لظاهرة أعظم من اضطرابات عصبية وذهنية وأمراض عضوية كالايدز.
مؤشرات بالأرقام
مجموعة من الأسئلة قدمتها الباحثة بغية التعرف على أسباب العودة للتعاطي من وجهة نظر المتعاطين أنفسهم فكانت النتائج أن 85 بالمئة يرون إن وجود المتعاطين في السجون دون برامج تأهيلية سبب مهم من أسباب العودة، فيما اعتبر 3, 78 بالمئة منهم أن عدم توفر برنامج لرعاية المتعاطين سبب آخر للعودة، وقال 3, 73 بالمئة إن وجودهم في السجن بدلاً من مركز تأهيلي ساهم في عودتهم للتعاطي إلى جانب ضعف البرامج العلاجية.
وقال3, 68 بالمئة من أفراد العينة البحثية إن صعوبة الحصول على شهادة السير والسلوك سبب من أسباب العودة وعدم الحصول على وظيفة مناسبة بعد الإفراج يدفع قرابة 3, 63 بالمئة إلى العودة للإدمان، فيما شكل ضعف الإرادة 3, 53 بالمئة، و50 بالمئة أرجعوا سبب العودة لضعف الوازع الديني وغيرها من الأسباب التي ساقها العائدون للإدمان ومنها مشاكل مالية وتأثير الأصدقاء والرغبة في الانتقام من النفس وعدم الاستعداد لترك التعاطي.
تطوير برامج نفسية سلوكية أولى آليات علاج التعاطي
عرفت منظمة الصحة العالمية عام 1973 - بحسب الباحثة النفسية لطيفة خادم- الإدمان الاعتماد على المخدرات على أنه حالة من التسمم الدوري المزمن الضار للفرد والمجتمع وينشأ بسبب الاستعمال المتكرر للعقار الطبيعي أو المصنع ويتصف بقدرته على إحداث رغبة أو حاجة ملحة لا يمكن قهرها أو مقاومتها للاستمرار على تناول العقار والسعي الجاد للحصول عليه بأية وسيلة ممكنة لتجنب الآثار المزعجة المترتبة على عدم توفره كما يتصف بالميل نحو زيادة كمية الجرعة.
ويسبب حالة من الاعتماد النفسي أو العضوي على العقار وقد يدمن المتعاطي على أكثر من مادة واحدة ويظن البعض أن الاعتماد النفسي اقل أهمية من الاعتماد الجسدي وربما يرجع الاعتقاد إلى إن ما يحدثه الاعتماد الجسدي من الام وهياج وظواهر غير مألوفة ومضاعفات أخرى قد تؤدي إلى الموت أو الانتحار أحيانا عند المدمن إذا ما توقف فجأة لسبب من الأسباب عن تناول جرعة المخدر المعتادة، اما الاعتماد النفسي فهو أمر آخر فالعودة لتعاطي المخدرات لاسيما للشخوص الذين خضعوا لبرامج علاجية او حكموا لفترات عقوبة مرتبطة بشكل مباشر بالتعلق «الاعتماد النفسي» على المواد المخدرة مما يسلط الضوء على أهمية تطوير البرامج النفسية السلوكية التي يقدمها الاختصائي النفسي. لكي تكون أول آليات الدفاع المجتمعي لهذه الظاهرة.
نورا الأمير

