يسطر مرسوم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بتعيين معالي أحمد حميد الطاير محافظا لمركز دبي المالي العالمي مرحلة نوعية جديدة على مسار تحقيق المركز الرسالة التي جرى على أساسها تأسيسه، وهي تعزيز مكانة دبي مركزا عالميا لصناعة المال عبر المنطقة المترامية الأطراف ما بين الأسواق الغربية وتلك الموجودة في شرق آسيا.
المعالم الرئيسية
ويرصد المراقبون هنا أحد المعالم الرئيسية للمرحلة النوعية الجديدة، هو حقيقية أنه بقدر ما فرضت الأزمة المالية العالمية تحديات غير مسبوقة، فإنها وبالقدر ذاته فرضت ضرورات العمل بأساليب غير تقليدية، يستلزم معا ضرورة العمل على تفجير الطاقات الإبداعية والابتكارية، على نحو يعمق القيم المضافة التي تمكن المركز من إرسائها عبر مسيرته التي بدأت رسميا منذ 5 سنوات مضت.
ويرى المراقبون أن ضرورات الابتكار والتجديد يلازمها دائها تغييرات الأشخاص والرموز، باعتبار أن كل مرحلة من مراحل تطور مركز دبي المالي العالمي تنطوي على خصائص وملامح متفردة، تستلزم ضرورة أن يكون المركز في ذاته ذا قدرة على الإبداع الدائم، حتى تكون كل مرحلة من مراحل تطوره بمثابة بداية لانطلاقة أكثر قوة وصلادة.
فالمسألة هنا من وجهة نظر البعض لا تنحصر في التفاعل القصير الأمد مع التداعيات والتحديات الجديدة، وذلك من خلال الفهم الواعي والحصيف لمختلف جوانب وأبعاد الأزمة المالية العالمية، ولكن يشتمل الأمر على ابتكار أفضل السبل للحفاظ الدائم على مكانة مركز دبي المالي كمقصد جاذب للشركات والمؤسسات المالية العالمية، إذ أنه في مثل هذا التوقيت الاستثنائي الذي يواجه فيه العالم تحديات غير مسبوقة لاستقرار النظام المالي العالمي، يتعين العمل على اغتنام الفرصة لحماية الإنجازات وضمان النمو المستدام.
إطلاق الطاقات
ويقدر مراقبون هنا أن المرحلة النوعية الجديدة التي يجتازها مركز دبي المالي العالمي تتطلب بأن يتحول إلى ما يشبه معملا لتوليد الأفكار المبدعة، من خلال تحفيز رموز صفوة العقول المتميزة في مختلف الدوائر على تقديم الأفكار الجديدة والمبدعة، وإطلاق العنان لهم ليطرحوا ما يدور في عقولهم، بشرط الاتيان بما هو جديد ومبتكر، ليس فقط على صعيد تقديم رؤى تساعد في التعرف على الحجم الحقيقي للأزمة المالية العالمية ، ولكن كذلك على صعيد الإسهام بالمقترحات التي من شأنها أن تساعد في تحويل تحديات الأزمة المالية العالمية إلى فرص ، فضلا عن تقديم تصورات بشأن أساليب الأعمال الجديدة التي ستفرزها الأزمة.
أولويات العمل
ويرصد مراقبون قائمة بالأولويات التي يتعين إنجازها لتحويل المركز إلى معمل للأفكار المبدعة القابلة للتطبيق على أرض الواقع وتتمثل في التالي :
أولا : إعطاء أولوية قصوى للعثور علي أساليب عمل جديدة وغير تقليدية تسهم ليس فقط على صعيد التكيف والتأقلم مع مستجدات الأزمة المالية العالمية ، وإنما تسهم كذلك في تحويل تحديات الأزمة إلى فرص .
ثانيا : التحفيز على التفكير الإبداعي، وذلك انطلاقا من الاقتناع الراسخ بأن تحقيق النمو المستدام بتطلب تفكيراً إبداعياً وأفكاراً جديدة. ويكمن هنا جوهر التحدي الحقيقي في التعامل الناجع مع الأزمة المالية.
ثالثا : النظر إلى المشكلات على أنها قضايا قابلة للحل، باعتبار أنه إذا ما أريد الاستفادة من طاقة دبي الإيجابية، فيجب وضع الأساليب التقليدية المريحة لمزاولة الأعمال جانبا، وإطلاق الطاقة الإبداعية للوصول إلى حلول.
فرص جديدة
ويرى مراقبون أن مثل هذه الأولويات تنطلق من أرضية الاقتناع الراسخ لدى مختلف المستويات في دبي بأنه بقدر ما تنطوي الأزمة المالية على تحديات ، فانها وبالقدر ذاته تتيح فرصا سخية يتعين العمل على اقتناصها ، وهو أمر لن يتأت إلا عن طريق اتباع أساليب أعمال غير تقليدية ومبتكرة ، حيث يكمن المصدر الرئيسي للفرص في مواجهة القطاع المالي والمصرفي بالأسواق المتقدمة أزمة غير قابلة للحل علي نحو سريع، فهي بحاجة إلى إعادة رسملة القطاع المصرفي بنيويورك ولندن وغيرها.
في حين أن هذه القطاعات في دول مجلس التعاون مازالت سليمة وتتمتع بالقدرة على استيعاب مضاعفات الأزمة، وهو ما يعود إلى أن الأزمة المالية العالمية قد أضرت منطقة الشرق الأوسط خاصة الخليج بحدة أقل مقارنة بالمناطق الأخرى في العالم، وهو ما يعود إلى قوة مقوماتها الاقتصادية الكلية ، وانضباطها المالي ، وضآلة حجم المنتجات والأوراق المالية المهيكلة، وربحية الأسواق المحلية، والخبرة المحدودة في إدارة المنتجات الاستثمارية المهيكلة ، وتنامي أهمية المنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية .
قاعدة القوة
ويقدر مراقبون أن مركز دبي المالي العالمي ينطلق من قاعدة قوة تؤهله للتعامل مع مقتضيات المرحلة النوعية الجديدة، بحيث يكون بمثابة واحة مزدهرة في عالم يموج بالإضرابات المالية، إذ تضم قاعدة القوة عمقومات وعناصر يندر تواجدها مجتمعة في أي بقعة أخرى من العالم، وتم تشييد هذه القاعدة نتيجة للجهود الضخمة التي بذلها المركز خلال السنوات الأربع الماضية على عدة.
ويتفق مراقبون على الرأي القائل بأن انطلاق مركز دبي المالي العالمي على مسار هذا التحول النوعي، من شأنه أن يصقل ويعزز قوته بأن يصبح ليس طرفا مستفيدا فحسب من الأزمة المالية العالمية، بل يكون كذلك أكثر تمرسا على مواجهة التحديات الصعبة في مواجهة أي تقلبات وأزمات في المستقبل.
وتتمثل أبرز مقومات قوة المركز من كونه يمثل قلب صناعة المال، ليس على الصعيد المحلي والإقليمي فحسب، وإنما كذلك على الصعيد العالمي، إذ أصبحت دبي فعلاً بوابة عالمية مالية واقتصادية، وأنه رغم الهزة العنيفة التي اجتاحت دول العالم ككل مالياً واقتصادياً، إلا أن وجود القواعد والركائز والثوابت التي أسسها هذا المركز وغيره في إمارة دبي ، من شأنه أن يجعل المركز في موقع متميز في التعامل السلس مع طبيعة التحديات التي تفرضها المرحلة النوعية الجديدة .
ومن جانب آخر ، فإن إطلاق مرحلة التغيير النوعية الجديدة جاء في وقت تمكنت فيه دبي من تجاوز الكثير من تداعيات الأزمة المالية، وذلك من خلال اتباع أسلوب يتمثل في وضع الرؤية لكيفية تفاديها اعراضها أولا ومن ثم إيجاد السبل السريعة للخروج عن تداعياتها ولاحقا بدء التعامل مع بداية حل الأزمة، وهو الأمر الذي جعل الأزمة المالية العالمية ذاتها علامة وشاهدا على قوة الاقتصاد الإماراتي عامة ودبي خاصة ومتانته وسيره في الطريق الصحيح ، وكانت الأزمة المالية بمثابة ساحبة صيف عابرة لم تترك خلفها غير بقعِ سرعان ما ستتبخر من دون أن يكون لها أي أثر.
ومن جانب آخر، تنطلق المرحلة النوعية الجديدة للمركز من أرضية اقتصادية صلبة لا تثيرها الأزمات ولا تخدشها الإشاعات، فرغم تهاوي كبرى الاقتصادات العالمية أمام الأزمة المالية، إلا أن دبي تمسكت بخطاها الثابتة الواثقة نحو مستقبل مزدهر مليء بالفرص الاستثمارية الخصبة التي تعتبر مقصدا وأملاِ بمكاسب اقتصادية مستقبلية وبيئة استثمارية آمنة ، بل وحافظت على مصداقيتها العالمية في التميز، وصلابة دبي أمام الأزمة المالية لم يكن إلا ثمرة جهد قيادي في تحويل التحدي لنصر ونجاح والمعضلات لمكتسبات .
وهكذا ، تبقى علامات الاستفهام التي ما زالت مطروحة هي : ما هي محاور عمل المركز خلال العام الجديد والسنوات المقبلة ؟ وما هي الأفكار المبدعة والخلاقة والتي استلهمها القائمون على المركز من السجالات الفكرية التي جرى تنظيمها مؤخرا ؟ وكيف سيكون بمقدور المركز البروز كواحة مستقرة في عالم يعج بالإضرابات ؟ ويبدو أن الإجابة على هذه التساؤلات لن تكون شفهية ، بل ستكون على هيئة أفعال وتصرفات تتيح للمراقبين والمحللين توصيفها وفقا لرؤاهم وتصوراتهم الفكرية.
دبي - مجدي عبيد
