يؤكد بعض العلماء أن شرط الحج الاستطاعة، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يستدين من أجل الحج سواء كان بالتقسيط أو باستدانة المبلغ، بينما يرى فريق آخر أن الحج بالتقسيط مباح شرعا، باعتبار أن الحاج سيقوم بتسديد هذا المال.. وبين هذا وذاك يريد الحاج أن يعرف هل حجه في هذه الحالة مقبول أم أن ثوابه يكون ناقصًا؟ وضعنا هذه التساؤلات على مائدة الفقهاء.. فماذا قالوا؟
د.أحمد كريمة - أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بجامعة الأزهر- قال إنه من المقرر شرعاً أن الحج ركن من أركان الإسلام، ومن أفضل العبادات، فقد وجه سؤال لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن أفضل الأعمال فقال: «إيمان بالله ورسوله، قيل ثم أي؟ قال جهاد في سبيل الله، قيل ثم أي؟ قال: حج مبرور»، موضحا أن الفقهاء اختلفوا في وجوب الحج على الفور أم على التراخي؟ حيث اتفق جمهور الفقهاء على وجوبه وفق الاستطاعة بمفهومها الشامل من أمن للطريق بانعدام المخاوف والمخاطر وتوافر القدرة المادية والبدنية وكل ما من شأنه تيسير أداء الفريضة.
انطلاقا من ذلك يؤكد كريمة أنه عند فقد عنصر واحد من تلك القدرة تصبح غير موجودة، ويجب تأجيل الحج حتى تزول الأسباب المانعة، ولم يخالف الفقهاء سوى المالكية الذين قالوا إن الحج يجب على الفور وليس على التراخي، نظرًا لأن الأسباب قد لا تتوافر بالصورة التي أرادها الفقهاء، مستندين إلى حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الداعي لتعجيل الحج مخافة أن تضل الراحلة أو ينفض العمر أو يصاب الإنسان بمرض، غير أن جمهور الفقهاء كان مستندهم قوله تعالى: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا»، فبدون الاستطاعة لا يجب على المسلم أداء الفريضة.
وينطبق ذلك الأمر، كما يؤكد كريمة، على المسلم الذي يلجأ إلى شركات السياحة لأداء الحج لديها بالتقسيط، فالله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولم يشق الله على مؤمن ولا مؤمنة في أداء الطاعة، وبالتالي إذا أفتينا بما يخالف الفرض الأصلي الذي أراده المولى سنكون مخالفين ودعاة معصية، كما أن ذلك قد يفتح بابا للمفاسد والشرور يصعب إغلاقه، فكأنهم يعطون لشركات السياحة رخصة للمضاربة في سوق التأشيرات، وقد يتعثر السداد مقسطًا بعد أداء الحج فيكون المصير هو الحبس والسجن مما سيتحول بالطاعة إلى ضرر لا يقتصر على الشخص نفسه، قال الفقهاء «متى وجدت المصلحة وجد شرع الله».
على العكس من ذلك يرى د.محمد منسي- أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة- أن الحج صحيح لو وقع بالتقسيط، وجائز أيضا، وطالما أن الإنسان لا يملك المتطلبات الفورية للحج، فلا مانع من أن يلجأ إلى التقسيط تلبية للعاطفة الإيمانية التي تسيطر على نسبة كبيرة من تحركات الشخص، بشرط ألا يدخل في التقسيط أي أنظمة سداد ربوية.
رأي المنسي يتفق مع المالكية القائلين بوجوب الحج على الفور استنادا إلى حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي يقول فيه: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا»، وقوله: «استمتعوا من هذا البيت، فإنه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة»، وهي نصوص عامة غير مخصصة تدعو لأداء الفريضة، ولم تشر من قريب أو بعيد لتوافر الاستطاعة، والعلماء يقولون العام يبقى على حالته من العموم طالما أنه لم يأت ما يخصصه.
أما د.محمد زناتي ؟ أحد العاملين في مجال الدعوة- فيؤكد أن الضرورات الخمس في الإسلام تعتبر أعظم دليل على الرحمة وسعة الأفق، حيث قدم الشرع حفظ النفس والعرض والمال والدين والعقل على أمور الحياة كافة، وبالتالي إذا كان هناك خطر يهدد النفس أو الأولاد فلا يجب الإقدام عليه، حتى ولو كان لأداء فريضة الحج. والخطر لا يقتصر على البلاء أو الجوع؛ بل يشمل النزول عن المستوى الاجتماعي الذي يعيشه الأبناء، فليس لهم أي ذنب في تحمل رغبة والدهم في أداء هذه الفريضة، لأن الأداء يجب أن يتوافر مع الاستطاعة بملكية الوسائل، وليس بأن نعطي الناس رخصة للتعامل بالربا، وبدلا من طاعة خالقنا فإننا ننشئ سوقا للمعاملات المالية الفاسدة.
فالشركات التي تنظم رحلات الحج والعمرة بالتقسيط لا يمكن القول إنها تفعل ذلك لوجه الله، بل تزيد على المبلغ المحدد أضعافا يدفعها الحاج على أقساط ضمن المبلغ الإجمالي، وبهذا نكون أضفينا شرعية على التعامل بالفائدة. يرد على ذلك د.محمود يوسف - رئيس قسم الدعوة بكلية أصول الدين- مؤكدًا جواز الحج بالتقسيط، مشيرًا إلى أن المقرر شرعًا هو أن نفقة ملكية الحج أو العمرة إنما هي شرط وجوب وليست شرط صحة، بمعنى أن عدم ملكية الشخص لها في وقت الحج لا يعني عدم وجوبه عليه، بحيث إنه إذا لم يحج حينئذ فلا إثم عليه، أما إذا أحرم بالحج فقد لزم إتمامه وحجه صحيح، وتسقط عنه حجة الفريضة، وكذلك الحال في العمرة.
وعما يثيره الرافضون للتقسيط لشبهة الزيادة الربوية سواء من قبل الشركات أم البنوك يقول د.عبدالفتاح إدريس - أستاذ الشريعة: إنه لا خلاف أنه لا يجوز الحج من المال الحرام، لكن هناك خلافا بين العلماء حول مسألة التعامل مع البنوك، وكذلك في تكييف فوائدها والحكم عليها من الناحية الشرعية، وبالتالي في جميع المعاملات المرتبطة بها مثل الحج بالتقسيط، والخلاف يدور حول ما إذا كان التعامل مع البنوك يعتبر من قبيل الربا المحرم شرعًا، أم أنه من قبيل العقود المستحدثة.
والحكم فيها الحل إذا حققت مصالح أطرافها، ولم تشتمل على ما حرم شرعًا، وبناء على هذا الاختلاف حول الإفتاء بشأن حكم فوائد البنوك فإن للمسلم أن يخرج من هذا الخلاف، وله أن يتبع من أجاز، ولا حرمة عليه حينئذ في التعامل مع البنوك بصورها كافة، وبالتالي يجوز أن يتصرف المودع في أمواله بكل أنواع التصرف، وله أن يحج من هذا المال ولا وزر عليه في ذلك.
إلى هنا يؤكد د.محمد البري- رئيس جبهة علماء المسلمين سابقًا- أن الإسلام وضع ضوابط وشروطا لفريضة الحج، من بينها أنه فرض على كل مسلم حر بالغ عاقل صحيح، إذا استطاع توفير الزاد والراحلة بحيث يكون زائدًا على نفقة أسرته إلى حين عودته، ويشترط أن تكون النفقة من مال حلال، فلا يقبل الحج بالنفقة الحرام، كما أنه من المعلوم من الدين بالضرورة حرمة الربا، قال تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 275]، وقال صلى الله عليه وسلم:« لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه».
ويشير البري إلى أن الأمر يختلف هنا حول حكم التعامل مع البنوك وشرعية فوائدها، فهناك خلاف بين الفقهاء حول تصوير هذه المعاملات طبقًا لاختلاف أهل القانون والاقتصاد في ذلك التصوير، فيما إذا كانت العلاقة علاقة الفرض كما ذهب القانونيون، أو هي علاقة استثمار كما ذهب الاقتصاديون، وبناء على هذا الخلاف بني خلاف الفقهاء، حيث إن هناك من نظر إلى هذه المعاملات باعتبارها قرضًا جرَّ نفعًا، فكان الحكم بناء على ذلك أنه ربا، ومنهم من رأى أن هذا يعد من قبيل الضرورات التي يجوز للمسلم الأخذ بها عند الاضطرار، استنادًا إلى قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات».
القاهرة- دار الإعلام العربية


