ها هي قوافلُ الحجيج بدأت تفد إلى البيت العتيق، تسعى إليه وتفد من كلِّ فجٍّ عميق، قد سال بجموعها البرُ والبحرُ، حتى ضاقت بهم فِجاجُ مكَّةَ، وامتلأتْ بهم جنباتُها. أتتْ تلك الأفواجُ المتقاطرة يحدوها الحنينُ، تَرِفُّ شوقاً لبيت الله الحرام، يحمل شوقَها جؤارٌ بالتلبية ... (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك)، فتسكُبُه أعينٌ تفيضُ من الدمع عند رؤيته.
إنه بيتُ اللهِ الحرامُ، ملتقى الرسالات ومهبط الوحي، أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس، إنَّه البيتُ الأوحد...تتملاّه النواظرُ فلا يزيدُها النظر إلاّ شوقاً إليه ومهابةً وتعظيماً له، فها هم حُجّاجُه لا يقضون منه وَطَراً إلاَّ ويثوبون إليه زماناً بعد زمان، في مشهدٍ عظيم يتكررُ كلَّ عامٍ، ومن لم يَثُبْ إليه فلا يلبثُ أنْ يعاوِدَهُ الشوقُ والحنين إليه، فسبحانَ مَنْ شَرَّفَهُ وأعظَمَ حُرمتَه، وقذف في قلوب عبادِه مهابتَه، وجعله مهوى للأفئدة. لله ما أعجبَ مشهدَ هذه القوافل المتزاحمة وهي تتقاطرُ من آفاقٍ شتَّى، بأجناسٍ شتى وألسنةٍ مختلفةٍ، تستقصِرُ بُعدَ الشُّقَّةِ، وتستروحُ ما تلاقي في ذلك من مشقَّة.
ويشاء الله بحكمته البالغة أن يكون الحج إلى وادٍ غيرِ ذي زرعٍ لا يصلح مصطافاً ولا متربَّعاً، حتى يكونَ القصدُ خالصاً للبيت العتيق.
أَمَا إنَّها دعوةُ أبينا إبراهيمَ الطيبةُ المباركةُ، (ربنا إني أسكنتُ مِنْ ذُريَّتي بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ عند بيتِك المحرَّمِ ربنا ليُقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون)، فتستجاب الدعوة، وتقر عين الداعي (وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، (وأذِّنْ في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍّ عميق).
ولا يزال وعدُ الله يتحقق مُنذُ عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله، ولا تزال أفئدةٌ من الناس تهوي إلى البيت الحرام، وترفُّ إلى رؤيته والطواف به، الغنيُّ القادر الذي يجد الظهرَ يركبُه، والفقيرُ المعدِمُ الذي لا يَجِدُ إلا قدميه، كلُّهم يُلبّي دعوةَ الله التي أذَّنَ بها إبراهيمُ مُنذُ آلافِ السنين، فلم تعدَمْ لها مجيباً.
ولكن نجد من المسلمين ممن توفرت عندهم الاستطاعة المالية والصحية، إلا أنه لم يحج حتى الآن، ويسوف ويؤخر الحج في كل سنة بأعذار واهية هي من وساوس الشيطان الذي يريد أن يصد الناس عن حج بيت الله الحرام، فيا أخي المسلم سارع ولا تتأخر عن أداء هذه الفريضة العظيمة، قال تعالى: ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له ) رواه أحمد وأبو داود.
وقال صلى الله عليه وسلم : (من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة) أحمد وابن ماجه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار ، فننظر كل من كانت له جدة ولم يحج ، فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين.. ما هم بمسلمين). وهذا الأثر صححه ابن حجر العسقلاني.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (استكثروا من الطواف بهذا البيت ، قبل أن يحال بينكم وبينه ). وقال الحسن: (لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة). فنسأل الله أن يوفق جميع المسلمين إلى حج بيت الله الحرام، لأداء هذا الركن العظيم من أركان من أركان الإسلام، ليستفيدوا من نفحاته وروحانياته.

