أكد الدكتور خلدون عبد العزيز مخلوطة إمام وخطيب مسجد الحمرية بدبي أن تلقي العلم في المدارس والمساجد يعود على المتلقي بفوائد جمة، لأنه يجمع بين الجديد والقديم، والأصالة والمعاصرة، ذلك أن التعليم النظامي يوسع آفاق المتعلم فيعيش واقع الحياة، ومؤكدا أن الكتاب والسنة هما الأصلان الأصيلان لاستنباط الأحكام، انطلاقاً من قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، فالردُّ إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول يكون بالردُّ إلى سنته، ولكن هناك أصول وقواعد في التعامل معهما، من أتقنها حق له القيام باستمداد الأحكام منهما مباشرة، وهذا يكون عبر معرفته بآيات الأحكام، وما يتعلق بناسخ القرآن ومنسوخه، كما يتطلب ذلك علماً بأحاديث الأحكام، وتمكنا في اللغة العربية، ودراسة لعلم أصول الفقه.
أما من لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، فواجبه استفتاء العلماء، وتقليد الأئمة المجتهدين امتثالاً لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
ونتابع مع فضيلة الدكتور خلدون عبد العزيز حوارنا معه:
فضيلة الشيخ لقد وجدت المذاهب من حوالي الألف عام وقد استجد في الحياة كثير من الأمور فلماذا الوقوف عندها؟
إن نشأة المذاهب قبل ألف عام لا يعني إلغاءها، ذلك لأن اجتهادات الأئمة لا تموت بموت أصحابها، خاصة وأن الذين صدرت عنهم هذه الاجتهادات هم ممن اتفقت الأمة على عدالتهم، ومتانة دينهم، وقد تمذهب على مذاهبهم، وتعبد الله بفتاويهم آلافٌ بل وملايين من العلماء والعارفين على مدى التاريخ.
أما القضايا الجديدة فواجب علماء الأمة البحث فيها، والنظر في أحوالها لاستخراج الحكم الشرعي المناسب لها، وإن من يتربى على كتب الفقه، ويمارس ذلك بفاعلية وإتقان، تصبح عنده ملكة فقهية، يستطيع من خلالها الوصول إلى الأحكام المناسبة لكل المستجدات الحديثة.
هل يحتاج المسلم إلى التمذهب على أحد المذاهب وقراءة كتب مذهبه حتى يقوم بما طلب منه.
طالما أن المسلم المعاصر لم تتوفر فيه أهلية الاجتهاد، فواجبه سؤال أهل العلم واتباعهم، ولعل أفضل طريقة لطلبة العلم والمثقفين التفقه على مذهب من المذاهب، ودراسة كتاب معاصر مبسط متخصص، والالتزام بما جاء فيه بعيداً عن التعصب والجمود، وذلك للأسباب الآتية: 1-أن الله هيأ لهذه المذاهب وخاصة المذاهب الأربعة علماء أجلاء، وفقهاء متقنين قاموا على خدمتها، وحرروا أقوالها 2-أنها تقرب أحكام الكتاب والسنة لأنها تنهل من معينهما، وتسهل على القارئ فهمها 3-إن التزام المذهب الواحد عند ابتداء طلب العلم يجعل صاحبه في رسوخ من الفقه، وتثبت من الأحكام فلا يقع في حيرة واضطراب.
ولا أبالغ إذا ما قلت إننا في هذا العصر أشد ما نكون في حاجة إلى التزام مذهب فقهي معتبر، حيث إن وسائل الإعلام من قنوات وصحف ومجلات تستضيف علماء وفقهاء، كل يفتي حسب مذهبه وقناعته، والمتلقي يسمع من هنا وهناك، آراء متعددة وأحياناً متعارضة، فيقع في تشتت وتناقض فلا يدري من يتبع، وعندما يكون ملتزماً بمذهب فلن يقع في ذلك.
فضيلة الشيخ: يقال إن الحق واحد لا يتعدد، ولكنه في الفقه الإسلامي يتعدد وأنتم تقولون الحكم ونقيضه صحيحان، قد يصعب على العقل تقبل هذا؟
اتفق العلماء على أن أصول الدين وأركان الإسلام، الحق فيها واحد لا يتعدد، والمصيب فيها واحد بعينه مثاب، والمخطئ آثم محاسب، كمسألة الإيمان بالله واليوم الآخر، ومسألة وجوب الصلاة على المكلف.
أما الفروع الفقهية التي لا تستند لدليل قطعي فهي محل الاجتهاد، وجمهور العلماء على أن الحق فيها واحد، والمصيب واحد له أجران، والمخطئ له أجر، وما توصل إليه اجتهاد المجتهد هو الحق الواجب عليه اتباعه، فهو بحسب تصوره واجتهاده حق لا يحيد عنه، وهو حكم الله في حقه، وفي حق مقلديه ومن اتبعه، وليس معنى هذا أن الحكم ونقيضه صحيحان، بل الحق فيها نسبي.
ولكن هذه المذاهب قد أورثت في فترات من التاريخ نوعاً من العصبية والتفرقة بين المسلمين.
الالتزام بالمذهب شيء، والتعصب المذهبي شيء آخر، الالتزام بالمذهب يعني اتباع مجتهد أعتقد فيه العلم والتقوى، مع احترامي لبقية المذاهب، وجواز تقليدها لحاجة، أما التعصب المذهبي فهو ممقوت بكل أشكاله، وذلك عندما يقصر الحق على رأي إمامه، ويريد أن يلزم الآخرين بذلك، ويضيق ذرعاً بمخالفيه.
ولكن لماذا لا يجتمع العلماء على وضع فقه واحد صالح لكل الناس، وفيما يلزم فقط، دون تفصيل في المسائل التي فات زمنها.
إن الدعوة لفقه واحد في ظاهرها براقة مفيدة، ولكنها تؤدي إلى نتائج سلبية، لأننا بذلك نريد أن نضع قوالب محددة للعقول، تفهم فهماً واحداً، وتفكر تفكيراً محدداً في تناول دلالات الآيات والأحاديث واللغة، وهذا خلاف ما فطر الله عليه العقول والأفهام، وهذا يجعلنا لا نحيد عن قول واحد في جميع مجالات العبادة والمعاملات، وفي هذا تعسير على الأمة، لذلك رفض الإمام مالك رحمه الله ما عرض عليه أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على التقيد بما جاء في كتابه «الموطأ» فقال له: (لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار، وإن تفعل تكن فتنة).
يقول البعض إن المسلمين قد بالغوا في التفصيل والتعقيد في العلوم الشرعية بقصد وجود طبقة كهنوتية تحتكر الحكم والفتوى، إن الصحابة أنفسهم لا يستطيعون تأليف كتاب في العقيدة والفقه والمواريث كالموجودة اليوم، فما الذي يرد به على هؤلاء؟
ينبغي ألا نتسرع في إصدار مثل هذه الأحكام الجائرة على الجهود الرائعة التي خلفها لنا علماء الأمة، لأننا بذلك نقابل إحسانهم بالنكران، وإذا كانت طريقة التأليف في تلك العصور قد شاعت بهذه المنهجية فلماذا نلومهم؟ وهل من العدل أن نقارن أساليبهم مع أساليبنا المعاصرة في التأليف، دون مراعاة لغة وأسلوب كل عصر.
ولم يكن العلم يوما محتكراً لطبقة معينة في تاريخ الأمة الإسلامية، وهذه كتب التاريخ امتلأت بحياة العلماء من شتى طبقات المجتمع، وهذا تشويه لتاريخ أمتنا، وتشبيهه بالمجتمعات الغربية عندما كانت تعيش تحت مطرقة القساوسة وسندان الملك.
أما ما ذكرتموه عن الصحابة واستطاعتهم للتأليف في الفقه والعقيدة فإنها مغالطة صادرة عن جهل مركب بنشأة العلوم وتطورها، وعدم معرفة بالأسباب التي أدت إلى تدوينها، فكيف تريد من الصحابة أن يردوا على من يقول بأزلية المادة ولم يكن ذلك منتشراً بينهم، وكيف تريد منهم أن يحلوا مسألة من مسائل المناسخات في علم الميراث ولم تحدث حالة واحدة ذات صلة في عصرهم.
حوار ـ ماهر سقا أميني

