يعاني أكثر من مليار نسمة في هذه الآونة ويلات المجاعة... رقم قياسي جديد استدعى اجتماع قادة العالم يوم السادس عشر من نوفمبر في مؤتمر قمة الأمم المتحدة بمدينة روما لمناقشة الإجراءات الواجب اتخاذها في هذا الصدد.

وبصفتي سفيرة سابقة للنوايا الحسنة لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، لدي تصورٌ لمجريات أحداث هذا الاجتماع الذي سيحفل برجال السياسية أكثر من محاور أجندته الرئيسية، وسيتوالى فيه فيض من الخُطَب الرنانة تتخللها مآدب صغيرة فاخرة وكلمات لا حصر لها. وتذكرت موقفاً مماثلاً حين جلست إلى مأدبة صغيرة، وحدثت نفسي متسائلة: تُرى ما الذي قد يحدث إذا استطعت نقل ما يحويه طبق سوفليه الفانيليا قبالتي من 1000 سعرة حرارية إلى طفل يعاني من سوء التغذية يجوب حواري نيروبي متسولاً قوت يومه؟ بل جال خاطري أن الاستفادة من السعرات الحرارية الزائدة التي يتم استهلاكها في الولايات المتحدة أو أوروبا وحدها كفيلة بالقضاء على الجوع في قارة أفريقيا بأكملها!!.

ورغم أن هذا الخيال الجامح يبعث في النفس الرضا، بيد أنه يلقي الضوء على ظلمٍ بالغٍ في طريقة تناول العالم لإمداداته الغذائية. جدير بالذكر أن برنامج الأغذية العالمي وضع خارطة لاستهلاك الأغذية عام 2006، غير أنه لم يعلن عنها قط. ومن ناحية أخرى، تم الإعلان عن «خارطة الدهون» التي توضح مواطن استهلاك السعرات الحرارية في العالم.

وفي ضوء حقيقة مفادها أن نمو الأمم أو تداعيها يستند إلى متوسط استهلاك الغذاء للفرد، يمكن النظر إلى هذه الخريطة من منظورين، أحدهما يراها خارطة لتحديد الدول التي تعاني من المجاعة، والآخر يراها خارطة لتحديد الدول التي تعاني من الإفراط في تناول الغذاء.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ذلك أن مشكلة سوء توزيع الأغذية وصلت إلى حد أسوأ مما تدل عليه خارطة الدهون. ومثلاً على ذلك الهند، حيث يعاني أكثر من 300 مليون شخص زيادة في الوزن إلى جانب 300 مليون آخرين يعانون الجوع. والواقع أن الأمراض المزمنة مثل مرض السكري وأمراض القلب التي تنشأ في أغلب الأحوال نتيجة للإفراط في تناول الطعام تزيد في الدول النامية بمعدلات تفوق كثيراً مثيلاتها في دول الغرب المترفة، ولا أدل على ذلك من أن معدلات السمنة في الشرق الأوسط آخذة في الازدياد المستمر، لاسيما بين أوساط الشباب من الجنسين.

كما لا يخفى علينا أننا شهدنا خلال عامي 2007 - 2008 أزمة غذاء عالمية مفاجأة صاحبها ارتفاعا غير مسبوق في الأسعار، لكن هل كان للمجتمع أن يعاني من ويلات هذه الأزمة لو لم يكن قد اعتاد على إهدار ما لديه من غذاء بهذه الطريقة؟!!

من المفارقات أننا نسعى على الصعيد العالمي إلى تنمية «أخلاقيات استهلاك الطاقة» التي تتجلى مظاهرها في مناداة الشباب بعدم إهدار الطاقة وحشد الدعم لهذه الغاية، بينما نغفل تماماً عن ذكر «أخلاقيات استهلاك الغذاء» على الرغم مما يمثله من طاقة عضوية للجميع، وفي هذه الغفلة، نقضي حياتنا ونحن نرى بعضنا البعض يُفرط في تناول الغذاء دون أدنى تفكير فيما ستؤول إليه الأمور، بل يرى البعض منا الإفراط في تقديم الغذاء دليلاً على الضيافة، ناهيك عن الأفكار المغلوطة التي تدفعنا على سبيل المثال إلى إجبار فلذات أكبادنا على الإفراط في تناول الغذاء كدليل يعبر عن محبتنا لهم.

وإمعاناً في اضمحلال الأمور، أضحى الأكل مجالاً رياضياً تنافسياً، إذ تم في مطلع هذا العام تنظيم منافسة في تناول الطعام أودت بحياة طالب يبلغ من العمر 23 عاماً. كما يقوم شاب يُدعى جوي تشيستنت في الرابع من يوليو من كل عام في مدينة نيويورك، على خطى تاكيرو كوبايشاتي الياباني الشهير، بعقد مسابقة لتناول النقانق البقرية، إذ قام في العام الماضي بتناول 68 قطعة من النقانق خلال مدة عشر دقائق، وهو ما يزيد عن عدد السعرات الحرارية التي تكفي لإطعام شخص إفريقي يعاني الجوع طوال أسبوع، بل قام كوبايشاتي في إحدى المناسبات بالتسابق مع دب كبير بني اللون في مسابقة لتناول النقانق، وهو مشهد مدهش أثار ذهول مشاهدي موقع اليوتيوب الشهير (غير أن الفوز كان من نصيب الدب).

والواقع أننا ندفع كل عزيز وغال ثمن هذا الإفراط في تناول الغذاء، إذ أظهرت الدراسات الحديثة أن الإنفاق على المشاكل الصحية المتعلقة بالسمنة في الولايات المتحدة وحدها تراوح ما بين150 و200 مليار دولار أمريكي، وهو مبلغ يتخطى قيمة كافة المساعدات الأجنبية من كافة أنحاء العالم، بل قد تصل تكلفة الرعاية الطبية الإضافية لمن يعانون من السمنة إلى 1400 دولار أمريكي للفرد سنوياً، بينما لا يستطيع ملياري فرد جني هذا المبلغ خلال عام واحد.

وتُعد خسائر الغذاء أحد المظاهر الأخرى التي تعبر عن حبنا لمظاهر الإسراف والترف الذي نتبعه في حياتنا، ذلك أن مخلفات الطعام تكلف الفرد في بريطانيا ما يزيد عن 400 جنيه إسترليني سنوياً، بينما تُبدد الأسر الأمريكية ما يعادل 14 بالمائة من أغذيتها اليومية، علاوة على قيام المتاجر المركزية والمطاعم بتبديد 27 مليون طن من الأغذية، أضف إلى ذلك أن قيمة الخسائر الناشئة عن المزارع والبيع بالجملة تجعل من إجمالي الخسائر التي تتكبدها الولايات المتحدة الأمريكية 100 مليار دولار أمريكي.

ولا شك في أن تحليلات الخسائر الناتجة عن الغذاء في دول الاتحاد الأوروبي سوف تسفر عن أرقام مماثلة، وأعتقد بأن الوضع مماثل أيضاً في منطقة دول الخليج العربي. وفي الوقت الذي تتوالى فيه مبادرات فرض الضرائب على الأغذية غير الصحية، وتحسين الثقافة الغذائية ووضع ملصقات على الأغذية تُظهر البصمة الكربونية الواجبة لإنتاجها، فليس ثمة اهتمام شائع في الحد من تناول كميات مفرطة من الغذاء والاتسام بالمسؤولية بهذا الشأن؛ إذ ما زال بائعو بالتجزئة والمطاعم يعكفون على بيع الأغذية بأحجام وعبوات كبيرة تحفز على الإفراط في تناول الطعام وإهداره.

لقد حان الوقت لإدراك حجم الخسائر التي نتكبدها في مجالات الطاقة والصحة والإنتاج نتيجة استهلاك وتبديد هذا الكم الهائل من الأغذية. ومن هذا المنطلق، تروج حالياً حملات الصحة العامة في كافة أنحاء العالم، بما في ذلك دول الخليج، رسالة مفادها أن زيادة الوزن وانخفاض النشاط البدني يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالإصابة بأمراض القلب ومرض السكري من النوع الثاني والجلطات وبعض أنواع السرطان. فهل من مستمع؟ نعم، فبعد سنوات من ازدياد معدلات السمنة في كافة أرجاء العالم، وجد مركز التحكم في الأمراض في الولايات المتحدة أن مستويات السمنة قد بدأت أخيراً في التراجع.

وهل يساعد الحد من الإفراط في تناول الغذاء والحد من إهداره في إحداث تغيير بمعالم «خارطة الدهون»؟ الإجابة بالطبع لا، ذلك أنه في تقدير الأمم المتحدة فإننا بحاجة إلى زيادة استثماراتنا في مجال الزراعة بمعدل 30 مليار دولار أمريكي سنوياً، ويستطيع كل فرد في هذا العالم أجمع أن يُحدث فارقاً عن طريق ترشيد استهلاك الغذاء والتبرع بما هو زائد عن حاجاتنا إلى بنك الأغذية أو التصدق بها للفقراء والمحتاجين، وإذا كان من حسن المنطق والعقلانية أن نعمل على ترشيد استهلاك الطاقة، فلماذا نقوم بتبديد أغذية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات ونفرط في تناول الطعام مما يهدد حياتنا صحتنا ومستقبلنا؟

إضاءة

عينت حرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، سمو الأميرة هيا بنت الحسين، سفير سلام للأمم المتحدة وأسست أول منظمة غير حكومية للمساعدات الغذائية في العالم العربي في وطنها الأم الأردن، وتبوأت منصب سفيرة النوايا الحسنة لبرنامج الأغذية العالمي (2005- 2007).