أكدت عناصر تربوية أن هناك توجها عاما في المدارس نحو اللغة الانجليزية واعتمادها لغة التعليم الأساسية، وقالوا ان اللغة العربية بحاجة إلى مسايرة العصر وتطور العلوم لأن عدم القدرة على اللحاق بركب التطور يزيد من إبعاد اللغة العربية عن تيار الفكر العلمي، مؤكدين أن التقدم لا يتحقق إلا بتوطين المعرفة في النسيج الاجتماعي ولن تكون النهضة إن لم تتوطن في اللغة وترتبط بإرادة التغيير وإعلاء دور العقل والقدرة على الإبداع والانفتاح على الحضارات الأخرى مع الحفاظ على الهوية والقيم الروحية.

واللافت أن اختيار لغة التعليم اليوم أصبح خاضعا لمقاييس بعيدة كل البعد عن المحافظة على الهوية والتراث وتقدير اللغة الأم والتمسك بالقيم الخاصة بالمجتمع واخذ - كما تقول الدكتورة لطيفة النجار من جامعة الإمارات - ينحو نحو الاستجابة للمتغيرات العالمية المتسارعة التي ارتبطت باللغة الانجليزية وجعلتها المصدر الأول من مصادر المعرفة والعلوم والتقدم التقني والمادة الأساسية التي ينظر إليها على أنها لغة النخبة ولغة القوة ولغة النفوذ.

هذا الأثر تسرب إلى الأسر وأولياء الأمور الذين أصبح اعتناؤهم باللغة الانجليزية يفوق بدرجات اهتمامهم باللغة العربية، وعلى الرغم من أن كثيرا منهم يظهرون حرصهم على اللغة العربية واهتمامهم بها إلا أنهم يرون أن العربية لا تقدم إلى أبنائهم بالمستوى الذي تقدم فيه الانجليزية ويجمعون على أن الانجليزية تجذب المتعلمين لأسباب منها طبيعة المنهج وبساطته وجاذبية الكتاب وطرق التدريس ووجود وسائل تعليمية تجذب المتعلم وتجعله يستمتع وهو يتعلم.

استبعاد اللغة الوطنية

الدكتور احمد بابكر الطاهر مستشار شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا أستاذ اللغة الانجليزية في كلية اللغات الأجنبية والترجمة يقول إن القصور الذي نشكو منه ليس في اللغة بل في أنفسنا وفي الهزيمة النفسية التي نعاني منها ويجب أن تكون لنا في الدول المتقدمة أسوة فماذا فعلوا ليجعلوا من لغاتهم لغات علم وحضارة وماذا فعل الانجليز بلغة لم تكن لغة بلادهم الأصلية ليجعلوها لغة العلم والعالم.

وقال إن استبعاد اللغة الوطنية أو عزلها أو تهميشها كلغة ثانية خاصة في التعليم يقود بلا محالة إلى قطع أواصر الصلة بين الأمة الواحدة، مؤكدا أن اللغة الأم هي عامل توحيد وطني قبل العقدية وقبل العنصر إذ تضطلع بمهام تماسك الأمة وتوجيه أفعالهم وسلوكهم وانتمائهم وهي التي تؤثر على عواطفهم ومشاعرهم في بلورة هويتهم وفي كل الأصعدة التي تعزز عوامل التآلف بين القلوب في وطن واحد متماسك.

وأكد انه لا سبيل إلى فهم عميق للعلوم إلا عن طريق اللغة الأم وهي الفكر والوجدان والذاكرة الجماعية كما أنها هي المقوم الأساسي للشخصية مرجعا ومنهجا وتربية واللغة إضافة إلى أنها لغة اتصال وتواصل وتفاعل يومي في كل ما يجمع المتحدثين بها وهي أيضا التي تربطنا بمجتمعنا وأرضنا وهي التي تربطنا بالماضي والحاضر والتراث الذي جاء نتيجة تجارب وخبرات إنسانية ثرية .

لغة القرآن

محمد حمدان مشرف قسم اللغة العربية في المدرسة الدولية الاسترالية يرى أن العربية تراجعت من موقعها كلغة أولى في المدارس وأصبحت لغة ثانية يكاد لا يتقنها الطالب بقدر إتقانه للغة الانجليزية والسبب في ذلك هو تدريس المواد الأساسية العلوم والرياضيات بالانجليزية مما يعزز لدى المتعلم أن الانجليزية هي اللغة الأولى، مشيرا إلى تنفيذهم لمشاريع في سبيل تعزيز وجود اللغة العربية وتأكيد أهميتها خاصة وأنها لغة القرآن.

وقالت الدكتورة لطيفة النجار عضو هيئة التدريس في جامعة الإمارات إن تغيير سياسات التعليم والسعي الحثيث نحو الحصول على الاعتماد الأكاديمي من المؤسسات التعليمية العالمية في الولايات المتحدة على وجه الخصوص والانتقال بالتعليم إلى نظام الخصخصة وفتح الأبواب للجامعات الأجنبية الخاصة وتغيير مناهج التعليم في المدارس والجامعات والتأكيد على أهمية اللغة الانجليزية يشير بوضوح إلى ان عالمنا العربي ليس بمنأى عن تأثير العولمة والنظام الاقتصادي الجديد.

مشيرة إلى ان التحول الكبير في سياسات التعليم في الوطن العربي لا يخلو من ايجابيات تتمثل في تطوير طرق التعليم وتحديث وسائله والاستعانة بمصادر التعلم المتنوعة التي تتصدرها المصادر الالكترونية والشبكة العالمية إلا ان آثاره السلبية لا تخفى على احد خاصة فيما يتصل بالمحافظة على الهوية واللغة العربية والتماسك الاجتماعي وتقدير الخصوصية التاريخية والتراثية للمنطقة والتمسك بالعادات والتقاليد الإسلامية فقد بدأت هذه القيم تتراجع تراجعا واضحا في السياقات التعليمية المختلفة رغم بعض الجهود التي تحاول ان تحفظ لها مكانتها وتماسكها .

وأوضحت من خلال ورقة عمل بعنوان اللغة العربية بين ثبات الهوية وإشكالات العولمة انه نتج عن ما يسمى بعولمة التعليم في المجتمعات العربية الانسحاب الحضاري للعناصر الجوهرية التي تشكل هوية المتعلمين وخصوصيتهم التاريخية والقومية والإنسانية وأصبح الطلبة أنفسهم لا يشعرون بأهمية هذه العناصر ودروها في تشكيل شخصياتهم ومستقبلهم فالعولمة بمعطياتها الخاصة وتقنياتها القادرة على الوصول إلى كل المتعلمين من شتى الأجناس والأعمار تصدر للشباب تصورات مغرية وقوية التأثير للحياة الجدية .

قوة اقتصادية

وأوضحت أن أقوى العوامل التي تقف وراء ضعف اللغة هو عدم كفاءة أهلها وضعفهم في مقابل الآخر الذي يتمتع بقوة اقتصادية وتقنية عالية، مشيرة إلى أن متخذي القرار في كثير من الدول منساقين وراء اعتماد اللغة الانجليزية لغة التعليم لأسباب تربوية أو تعليمية خالصة فليس الجانب التربوي للتعليم باللغة الأم هو الذي يحدد القرار بل الجوانب الاقتصادية والسياسية هي التي تضغط بقوة.

وأصبح اختيار لغة التعليم اليوم خاضعا لمقاييس بعيدة كل البعد عن المحافظة على الهوية والتراث وتقدير اللغة الأم والتمسك بالقيم الخاصة بالمجتمع واخذ ينحو نحو الاستجابة للمتغيرات العالمية المتوالدة المتسارعة التي ارتبطت باللغة الانجليزية وجعلتها المصدر الأول من مصادر المعرفة والعلوم والتقدم التقني والمادة الأساسية التي ينظر إليها على أنها لغة النخبة ولغة القوة ولغة النفوذ .

وقالت إن واقع التعليم باللغة العربية واللغة الانجليزية يقع على قمة التحديات التي تواجهها لغتنا اليوم فاللغة العربية تواجه صعوبات كثيرة في مجال التعليم منها عدم كفاءة المنهج وعدم وضوح أهدافه والفقر الواضح في المواد وضعف المعلم وعدم وعيه بأهمية دوره وعدم مواكبة التطورات الهائلة في مجال تعليم اللغة وتعلمها وهذا يصب في مصلحة اللغة الانجليزية التي تتمتع بجاذبية لا ينكرها احد بسبب الجهود الكبيرة التي تبذل في سبيل تعلمها في كل مكان.

وقالت لا يمكننا ان نغض الطرف عن الجهود التي تبذلها المؤسسات من اجل دعم اللغة الأم ورفدها بعناصر القوة والصمود في وجه التحديات منها جهود وزارة التربية والتعليم التي تحاول النهوض بواقع تعليم العربية من خلال المناهج المطورة ،مشيرة إلى حاجة اللغة إلى دعم وتكاتف الجهود بين المؤسسات وبين الأفراد لإعطائها ما تستحق من أهمية وما تحتاجه العربية هو نشر الوعي بين الناس وأهميته ودورها الكبير في تشكيل هوية أبنائها.

مدارس الوزارة تخلق التوازن بين اللغتين

يعتقد إبراهيم بركة مدير مدرسة الشعلة الخاصة أن هذه المشكلة تظهر بصورة جلية في المدارس التي يقتصر نظامها على المنهاج البريطاني والأميركي أو الاسترالي في حين تبقى المدارس التي تتبع وزارة التربية والتعليم قادرة على خلق نوع من التوازن بين اللغتين بل وتكون الغلبة للغة العربية لأن المواد تدرس بالعربية . وقال من حق ولي الأمر البحث عن نظام تعليمي على درجة من الجودة والتميز لان استثمار عقول الأبناء هو هاجس كل فرد منا لكنه يطالب الأهالي بايلاء اللغة العربية اهتماما كبيرا والتركيز على أن يتقنها الابن إلى جانب الانجليزية التي يتعلمها في المدرسة .

وتعتقد نور حمدان معلمة لغة عربية في مدرسة الواحة الخاصة إن العربية لغة جميلة وما يميزها أنها لغة القرآن لكنها بحاجة إلى تغيير في وسائل تدريسها وتأكيد أهميتها في نفوس الطلبة باعتبارها بوابة الحفاظ على الدين والهوية لأنها مرتكز أساسي فيه لكنها ترى أن التحديات التي تواجه اللغة الأم كبيرة وتحتاج إلى وعي بخطورتها كي تطرح حلول وتنفذ على ارض الواقع.

استطلاع - نورا الأمير