لا تكاد تمر سنة على هوليوود دون أن تنتج فيلما يتحدث عن كارثة رهيبة تجتاح الكرة الأرضية وتفتك بالجنس البشري بلا هوادة، وقد تصدى خيال صناع السينما لمختلف أنواع الكوارث الطبيعية والعلمية والخيالية، إلا أن نهاية 2009 شهدت تجربة سينمائية جريئة ومختلفة جمعت كل تلك المحاولات في فيلم الإثارة «2012»، وهو من أضخم الأفلام التي تم إنتاجها هذا العام ويعرض حاليا في جميع دور العرض بالإمارات، مواكبا في توقيت واحد انطلاقته في صالات السينما بأميركا وأنحاء العالم.
وخلال عشرات السنوات، ومئات الأفلام، تنوعت اتجاهات سينما الكوارث ومع موجات النقد الموجهة ضدها لكونها لا تهدف إلا لإثارة الهلع والرعب، وبفضل العديد من الكتاب والمخرجين الموهوبين، ونتيجة رغبة السينما الأميركية في التجديد والابتكار، أخذت أفلام الكوارث تدعم نفسها بطاقة هائلة استمدتها من الكوميديا والرومانسية، وجملت وجهها برؤية نقدية سياسية واجتماعية، كما حاولت ـ أحيانا ـ أن تضفي على نفسها قيما إنسانية .. ولعل فيلم «2012» نموذج على لهذه النوعية من الأعمال.
الناحية الفنية
يعتمد الفيلم على فكرة مستوحاة من أساطير حضارتي الانكا والمايا في أميركا الجنوبية والوسطى، التي تؤكد أن نهاية العالم ستكون في العام 2012، ويطلق العمل خياله في اتجاهين: أولهما، رصد وسرد كل الافتراضات والمعلومات العلمية حول باطن الأرض والاحتباس الحراري، والبراكين والزلازل واكتشافات الأقمار الصناعية للتغيرات الهائلة التي تسير بكوكب الأرض إلى كارثة، وثانيهما، ردود الأفعال البشرية إزاء هذه الكارثة.
ومنذ البداية يخضع الفيلم لما يمكن أن نطلق عليه ضبط الخيال، فطاقم العمل وعلى رأسهم المخرج رونالد ايميريش والمشارك أيضا في كتابة السيناريو مع هيرالد كلوزر، يتحرون الدقة العلمية في رصد نوع ومقدمات وخطوات ونظريات تدمير الكرة الأرضية، وكيف أن فئة من بعض الأغنياء ورجال السياسة ورؤساء دول العالم على دراية ومعرفة بما سيئول إليه حال الأرض، في مقابل جهل الشعوب بمصيرها المشئوم، ثم يأتي الإبهار عن طريق المؤثرات البصرية والسمعية التي تصور المدن بمبانيها وجسورها وشوارعها وهي تنهار، والمتابعة الدقيقة لحركة الغازات الملتهبة التي تنطلق من تحت القشرة الأرضية، والاهتزازات العنيفة التي تشبه الزلازل، ثم انفجار البراكين وطوفان الصخور المنصهرة وهي مندفعة ملتهمة كل ما يقف في طريقها.
وتتداخل الموسيقى التصويرية التي تبعث على التوتر، مع المؤثرات الصوتية الطبيعية التي تضفى نوعا من الهلع مع لقطات تدمير وسقوط البنايات العالية، وصيحات وصرخات الفزع للشروخ الفظيعة في الشوارع والهزات التي تسقط الجسور وتحدث فوضى بصرية للسيارات المحطمة والقطارات الطائرة في الهواء، والتدمير الذي يكتسح كل شيء ويحاصر البشر في نهاية حتمية لكل ما هو موجود على سطح الأرض.
وكان اهتمام المخرج بالمجاميع واضحا لأنها ساعدت عنصر الجرفيك في إبراز الفوضى المنظمة والتعبير عن حالة الذعر، وبالقدر ذاته اهتم بأبطاله الفرديين الذين ساهموا في زيادة تأثير التوتر وتصديره إلى المتفرجين، وقد وضع فيه كل ما يمكن تخيله من مشاهد الدمار والرعب وبإمكانيات بصرية مذهلة، ليصبح الفيلم عالميا أكثر وليس خاصا بأميركا فقط .
تفاصيل القصة
لا يدعك الفيلم للحظة ملل واحدة رغم طول مدته التي تصل إلى 158 دقيقة، حيث يدور حول باحث هندي يكتشف مدخلا سريا لعالم غامض يوازي عالمنا، يعبر من خلاله إلى هذا العالم، ليحذر قريته هناك من كارثة تنبأ بوقوعها أصحاب حضارة المايا القديمة، ويحاول مع صديق له يدعى«هلمسلي» متخصص في الجيولوجيا يعمل بالبيت الأبيض الأميركي لمنع حدوثها .
ويعرض الفيلم في بدايته تعتيم الإدارة الأميركية ورؤساء العالم للواقع المزري الذي تتجه نحوه الأرض، ولإنقاذ تراث العالم وأهم إبداعاته الثقافية والفنية والعلمية يتم نقلها إلى مكان آمن، مع ملاحظة أن أي شخص يكتشف ما يحدث يقتل فورا، وتدخل الأحداث منعطفا آخر مع ظهور «جون كوزاك» الذي يلعب دور جاكسون كرتس الذي يتمني أن يصبح كاتبا، إلا أنه يعمل كسائق ليموزين، كما انه يعاني من انفصاله عن زوجته كاتي كورتيس، التي تركته لتتزوج من أحد الأغنياء، وفي الوقت الذي تدمر فيه الأرض يحاول جاكسون الفرار مع كاتي « أماندا بيت» وأطفالهما، مستغلا أسرة الثري الروسي «كاربوف» الذي يعمل لديه، مستخدما إمكانياته في الهرب من خلال طائرة روسية قديمة الصنع تحمل ماركة «انتوتوف».
ويبدأ دمار العالم شيئاً فشيئاً، و تكون البداية من الولايات المتحدة الأميركية وبالتحديد من ولاية كاليفورنيا، ثم تنهار كل الرموز الدينية مثل الفاتيكان وكنائسها وتمثال يقال إنه يجسد نبي الله عيسى عليه السلام يطل على مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، وديانات أخرى مثل البوذية، لكن هذا التدمير يستثني رمزا دينيا واحدا، هو الكعبة المشرفة.
وتتصاعد الأحداث من خلال البطل جاكسون كرتس والذي يلتقي بأحد العرافين فيحكي له عن أن العالم سينتهي خلال أيام وبأن عليه الذهاب للصين حيث قاموا بصناعة فلك لمقاومة التصدعات والانهيارات الشديدة، وبالفعل يتمكن من الوصول للصين في رحلة مليئة بالصعاب، ولكنه يكتشف أن هذا الفلك مدفوع الأجر لأصحاب النفوذ والأغنياء فيقوم بتسلقه هو وأفراد أسرته، في الوقت الذي تعاطف فيه بعض الموجودين في السفينة مع باقي البشر الموجودين على سطح الأرض والمفترض أن يلقوا حتفهم، فيقوموا بحمايتهم معهم في هذه السفينة، وينتهي الفيلم بنجاة من أحتموا بها بالفعل والخروج إلى سطح الأرض مرة أخرى.
إضاءات مهمة
* اعتمد الفيلم على تكنيك عالي جداً سواء في الإخراج وكذلك في ابداعات الجرافيك لإبراز الانهيارات والتصدعات الأرضية وفيضانات البحار والمحيطات.
* تطرق إلى فكرة أن الصين بلد صناعي قوي، ولذلك فقد قاموا بعمل السفينة التي حمت البشرية وأنقذتها من الفناء.
* ظهر الرئيس الأميركي في صورة شخص مثالي أسود «داني غلوفر» دلاله للرئيس الحالي أوباما، حيث ضحى بحياته ورفض النجاة وركوب سفينة النجاة معهم، حتى يلقى نفس مسير أهل وطنه.
* حاول المخرج إبراز فكرة أن من يمتلك الأموال والنفوذ يستطيع ضمان الحياة لنفسه ولأسرته، وقد قام بإظهار بعض العرب في مشهد دليل على أنهم استطاعوا ضمان ركوب السفينة بأموالهم، وكان مصير الثري الروسي الغرق لأنانيته وغطرسته، كما صاحبت الضحكات والقفشات صالة العرض مع ظهور ملكة بريطانيا وهي تصعد إلى السفينة مع كلابها.
* كما تطرق العمل أيضاً لقصة سيدنا نوح حيث قاموا بالفعل بأخذ مجموعة من كل أنواع الحيوانات معهم حتى لا تنقرض بعد ذلك، وكان البطل يطلق على ابنه اسم «نوح» رمز قوي لأسماء الرسل السماوية.
رسالة الفيلم
يؤكد فيلم «2012» على أن بقاء الحياة واستمرارها، يعتمد على القيم الإيجابية للإنسان، وهذه الرؤية لعب سيناريو الفيلم عليها، مثل التعاون الذي لولاه لانتهت الإنسانية، ونبل الأخلاق في مساعدة جموع البشر المتزاحمة المذعورة والمرعوبة، ولحظات الوداع بين أفراد الأسرة الواحدة، واتجاه كل الديانات للدعاء إلى الله لإنقاذهم من هذه الكارثة، كما تتجسد في مواقف وسلوك ومشاعر لا يحتكرها فرد واحد.
ولكن تتمثل في عدد لا يستهان به من الناس العاديين، مثل المذيع «شارلي فروست» الذي ظل طوال حياته ينبه الناس من قدوم الكارثة، والطيار الذي فضل الموت وحيدا وإنقاذ من معه، والصينية العجوز التي رفضت عرض حفيدها بركوب السفينة دون الآخرين، حتى أن الفيلم المنسوج بمهارة يبدوـ في بعد من أبعاده ـ كما لو أنه يهدف إلى إثبات أن نتائج الكوارث، من الممكن أن تكون مخففة ومحتملة، بفضل إحساس الناس بالمسئولية، بل ومن الممكن أن يتطور الإنسان ويصبح أكثر نضجا عندما يمارس إنسانيته.
أسامة عسل

