يضع بعض المقدمين على الزواج شروطا كثيرة يتطلب توافرها في شريك حياته، مثل الدخل الثابت والمرتفع، والجمال وحسن الأخلاق، والثقافة العامة والتدين، والمكانة الاجتماعية المرموقة، وبالنسبة للإنفاق المالي على الأسرة، فمن المتعرف عليه في مجتمعنا العربي والإسلامي، أن المكلف بهذه المهمة هو الزوج، ولكن مع دخول المرأة معترك الحياة وسوق العمل، أصبح بينهن من تساهم في تحمل تكاليف وأعباء الحياة.
وقد تقبل بعض النساء الارتباط بمن هم اقل منهن تعليما في حال كونه غنيا ومن أصحاب الثروة، على اعتبار أن المال يعوض عن التعليم، ولكن ماذا لو كان المتقدم للزواج اقل تعليما ودخلا ومكانة اجتماعية من الفتاة فهل تقبل الارتباط به ؟ هذا السؤال طرحناه على عدد من الفتيات وتباينت الإجابات بين الموافقة دون تحفظ، والموافقة المشروطة والرفض التام . كذلك طرحنا السؤال التالي على الشباب: هل تقبل الزواج ممن هي أعلى تعليما وأكثر دخلا ومكانة اجتماعية منك؟، وكانت الإجابات أيضا متفاوتة. لذلك فان موضوع الكفاءة المادية والتعليمية والاجتماعية تحتل مرتبة متقدمة من ضمن أسباب الاستقرار الأسري واستمراره، وهناك بعض الشباب الذي يتحسس من موضوع تدني دخله مقارنة بدخل زوجته، ومثال ذلك قصة احدهم الذي تقدم هو وزوجته لوزارة التربية والتعليم للحصول على وظيفة مدرس. وقد تم قبول الزوجة ولم يقبل الزوج، فقبل العمل في إحدى المدارس وبراتب اقل من راتب زوجته، مما أثار حساسيته وكان يتمنى أن يخفض راتب زوجته ليقارب راتبه حتى لا يشعر بالدونية والنقص، وفي المقابل هناك من النساء من ترفض أن يكون دخل زوجها أقل من دخلها وتعلنها صراحة بأنها لا تريد زوجا تصرف عليه.
الأساس التفاهم... وحول هذا الموضوع قالت الطالبة الجامعية ناهد عبد الله، إنها من الممكن أن ترتبط بمن هو اقل منها دخلا وتعليما ومكانة اجتماعية، وليس لديها مانع من ذلك، فهي ترى أن الأهم من وجهة نظرها هو وجود ثقافة عامة ودراية بشؤون الحياة لدى الزوج، وإذا كان دخله قليلا فلا مانع لدي ولكن بشروط، فأنا أوافق على ذلك في حالة كوني اعمل ودخلي جيدا، وذلك على أمل أن يتحسن دخله في المستقبل . وتضيف بأنها تشجع الزوج على إكمال تعليمه وتطوير نفسه حتى يصبح لديه وظيفة أفضل ودخلا اكبر وأحسن، وأنها لن تتعالى عليه في مسالة التعليم والدخل، فالأساس أن يكون التفاهم بشان الحياة المشتركة موجودا، وذلك لتجنب المشاكل وعدم إشعاره بعقدة النقص، لأنه يمكن أن يكون أفضل وأحسن مني في أشياء أخرى وأكثر ثقافة وفهما للحياة. وبذلك نكمل بعضنا بعضا خصوصا وان خبرتي في الحياة عموما اقل منه وهو في الغالب سيكون اكبر عمرا مني لان هذا أفضل لاستمرار الرباط الأسري بيننا، وختمت ناهد عبد الله حديثها بقولها إن هناك بالفعل مشروع خطبة حيث تقدم لها عريس قريبة جدا صفاته ووضعه مما ذكرته.
الأخلاق أولا... أما لمياء حشاني الموظفة في إحدى القنوات الفضائية فتقول : لا انظر شخصيا إلى الأمور المادية ولا اهتم بها بقدر ما انظر إلى الأخلاق والسلوك الحسن، فالحياة بحاجة للتعاون معا واهم شيء في شريك المستقبل هو إحساسه العالي بالمسؤولية، فربما أتزوج غنيا ويتعرض لموقف وتضيع كل أمواله فالذي يبقى هو حسن الأخلاق، وإذا ما تعرض الزوج لازمة أو مالية أو صحية فان على المرأة أن تعوض ذلك للخروج من هذه المصيبة. أما بشان التعليم فانا أرى الجهل هو المصيبة، فقد يكون الزوج يحمل أعلى الشهادات العلمية ويجهل أمور الحياة والتعامل مع المجتمع، فالأساس أن يكون لديه ثقافة ودراية بشؤون الحياة تؤهله لحسن التصرف عند مواجهة أي مشكلة.
وتضيف حشاني: إذا وجدت في الزوج هذه الامتيازات والمؤهلات وأراد أن يكمل تعليمه فاني أول من يقف إلى جانبه، لان التعليم لا يقف عند حدود أو سن معينة، ولن اخجل منه أمام المجتمع إذا كان مستواه التعليمي بسيطا، لان حسن أخلاقه تعوض عن ذلك، كما أن أهم شيء في الرجل هو أن يكون ايجابيا في تفكيره ويتحمل المسؤولية، ولديه من التفاؤل وحسن التصرف ما يمكنه من الخروج من أية مشكلة حال حدوثها .
الكفاءة الاجتماعية
هذه المواقف السابقة لا تتفق معها الصيدلانية منى احمد، فهي ترى وبكل صراحة وعلى ارض الواقع، أن تحديات كبيرة فسوف تظهر إمام مثل هذا النمط من الزواج، فرحلة الحياة الزوجية طويلة، والفروق الصغيرة قد تكبر وتتعقد، وربما لا يستوعب مكانته الاجتماعية، أو يشغلها بكفاءة مما يسبب المشاكل إلا في حالة واحدة وهي وجود الحب والاختيار الواعي لشريك الحياة، وبذلك تسير الأمور.
وبصفة عامة فان التحدي كبير جدا والأساس هو الكفاءة الاجتماعية والثقافية، فإذا كان تفكير الزوج اقل فمن المؤكد أن المشاكل ستنعكس على ارض الواقع، فمن خلال تجارب الآخرين والتي عايشتها ورايتها، فان الفروق الاجتماعية والثقافية وليس المادية هي التي تتحكم في حياة الزوجين، فقد تتحسن الظروف المادية في المستقبل وتتغير الأوضاع، لكن ليس من السهل تغيير تفكير الزوج وما تعود عليه.
لا توجد حساسية
وطرحنا هذه التساؤلات السابقة على بعض الشباب لمعرفة مواقفهم منها، وعن ذلك يقول الصحافي هاني عوكل: لا مانع لدي من الزواج ممن هي أعلى مني تعليما ومكانة اجتماعية، ولكني مع الزواج المتكافئ اجتماعيا، لأنه إذا كانت مكانة الزوجة الاجتماعية أعلى من مكانتي فقد تحدث المشاكل بيننا.
خاصة إذا كان الزواج تقليديا، أما في حالة الارتباط عن حب ومعرفة جيدة سابقة، فسوف يعوض هذا عدم التكافؤ بين الزوجين. ومن ناحية أخرى فان من هي أعلى مني تعليما سيكون اكبر محفز لي لتحسين وضعي الاجتماعي والمادي، لأنه يحسن الوضع الأسري ونظرة الأبناء لي في المستقبل.
كما لا تشكل لي مسالة دخل الزوجة الأكثر مني أي مشكلة، لان التفاهم على أسس الشراكة هو الأساس بين الطرفين، بل على العكس فان الراتب المرتفع للزوجة يعين على العيش في هذه الحياة وتحمل مصاريفها الكثيرة، لان الدخل المشترك سيصب في دخل الأسرة الواحد، لذلك فلا حساسية لدي تجاه الدخل المرتفع لأنه سيساعد على تحسين مستوى الأسرة المعيشي ويضمن للأبناء تعليما أفضل.
لكن المهندس عبد الكريم دردونة لديه رأيا مخالف لما سبق إذ يقول: أنا ابحث عن زوجة يكون وضعها المادي اقل مني، لأن الزوجة ذات الدخل المرتفع تكون قد تعودت على هذا الوضع وأنا لا اقدر على تحمل طلباتها الكثيرة، وهذا يؤثر علينا مستقبلا مما يخلق المشاكل نظرا لعدم توفر المال، وكذلك الأمر بالنسبة للوضع العلمي الأعلى والمكانة الاجتماعية الأفضل للزوجة فان الوضع حساس جدا، ففي هذه الحالة فان المجتمع سيقدرها أكثر وهذا يؤثر على نفسيتي، لذلك فاني أفضل أن تكون الزوجة من نفس مستواي العلمي والمادي أو اقل قليلا، خاصة وإننا نعيش في مجتمع شرقي تتحكم فيه العادات والتقاليد وتؤثر فيه كثيرا.
كفاءة الزوج مطلوبة
ثم توجهنا بالسؤال إلى الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد، كبير المفتين ومدير إدارة الإفتاء لمعرفة رأي الشريعة الإسلامية في موضوع الكفاءة المادية والتعليمية والاجتماعية بين الزوجين، وهل يجب أن تكون الكفاءة متوافقة بين الزوجين؟، أم من الممكن أن تسير الأمور بين الزوجين إذا كانت المرأة أكثر دخلا وأعلى تعليما ومكانة اجتماعية من الزوج؟، وإذا ما تم ذلك الزواج، فما هو المطلوب من الزوجين أن يفعلاه حتى لا تقع المشاكل بينهما وتستقر حياتهما الزوجية؟.
وأجابنا الدكتور الحداد بقوله: الكفاءة تعني أن يكون الرجل المتقدم للفتاة أو المرأة عموما بكرا كانت أم ثيبا، أيمة أم أرملة؛ أن يكون مساويا لها أو فائقا عنها في الدين والحسب والنسب والخَلق والخُلق واليسار، ويمكن أن يضاف إلى ذلك ما هو معروف الآن التعليم والوظيفة والمدينة، فإن لهذه الصفات اعتبارات أساسية في عالم اليوم، فإن خصال الكفاءة التي نص عليها الفقهاء مبنية على أعراف زمانهم، والأعراف تتغير ويتغير معها الحكم المبني عليها.
والشارع ندب إلى مراعاة هذه الصفات؛ لأن فيها مواءمة بين الزوجين فتكون سببا لدوام العشرة، فإن هذه الصفات إذا اختلفت بين الزوجين فسرعان ما يحدث الشقاق بينهما، فلا يكون أحدهما قادرا على فهم صاحبه ولا على تحمله.
وهي مطلوبة من جانب الرجل فقط؛ لأن المرأة هي التي تُحكَم في الحياة الزوجية فتكون الطرف الأضعف، فتحتاج للتوثق لنفسها ممن يكافئها أو يفوق عنها؛ ليعاملها بما تقدر على العيش معه على أحسن ما يرام؛ ولأنها إذا لم تتزوج من هو في درجتها كفاءة فقد تُعيَّر هي ووليها في المجتمع بأنها بائرة لا قيمة لها، وإلا لم ترض لنفسها الهوان بالزواج ممن هو أقل منها مكانة، والتعيير قاصمة لظهور الأحرار قد يؤدي إلى مشاكل كثيرة بين الأصهار.
بخلاف الرجل فإن له أن يتزوج مَن هي أقل منه في أي صفة كانت، دينا أو دنيا، فلذلك جاز له زواج الكتابية والوضيعة حتى الجارية إذا لم يستطع نكاح حرة، وخاف على نفسه العنت، أي الوقوع في الزنا، وذلك لأنه سيعامل من هي أقل منه بما يليق بكماله وفضله، فلا يبغي عليها، ولا يعير بنقص إذا تزوجها.
وقد أقرت الشريعة الإسلامية مبدأ الكفاءة بل ندبت إلى مراعاتها، فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : « إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه ، فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يُنكح النساء إلا من الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم»، فدل على أن مراعاة الكفاءة مطلوب شرعا؛ إلا أن هذا الطلب لا يصل إلى درجة الشرط أو الركن، بحيث يفسد النكاح إن لم يرع، بل إلى استحبابه وأحقية الولي رفض الزواج إذا طلبت المرأة غير الكفء، ولا يكون بذلك عاضلا.
كما أن لها كذلك رفض الزواج إذا أراد وليها أن يزوجها بغير كفء، ولا تكون عاصية ولا عاقة.
والنظرة الاجتماعية تدل على عدالة هذه النظرة الشرعية، فإن المرأة التي ترضى بالزواج ممن هو أقل كفاءة منها تنقلب حياتهما جحيما، وتنتهي بالانفصال سريعا، فينبغي مراعاتها من أجل مصلحة الزوجين، واستدامة عشرتهما لينشِّئا نسلا صالحا بعيدا عن الشتات والضياع.
دبي - موسى أبو عيد



