الخالة تحكي تجربة ابنة شقيقتها فتقول، هي شابة في مقتبل العمر، كانت تبلغ التسعة عشر ربيعا حين بدأت تتغير أو تتطور شخصيتها وتميل إلى الانفتاح على المجتمع. إنها جميلة المحيا حلوة التقاطيع، ذات قوام «مزيون» لا تنافسها فيه سوى أشهر عارضات الأزياء في العالم.

كنت أتأملها بعين المحب القلق كلما لبت دعوة اجتماعية أو حضرت مناسبة زواج إحدى صديقاتها أو أحد الأقرباء. كانت تتخايل بفتنتها وهي سعيدة ونحن سعداء بها. مرات كنت أُبدي لها نصيحتي ولو بصوت خافت بالكاد اسمعه بنفسي بألا تبرز جمالها كلما حضرت مناسبة، لكني لم أشأ أن فسد سعادتها وفرحتها بمشاركة قريناتها مناسباتهن فكنت أدعو لها بالحفظ والسلامة لتمضي في حفظ الله.

ففي الوقت الذي كانت تنطلق إلى الحياة كانت تتقدم في دراستها، ولم تلبث طويلا حتى أحرزت معدلا مرتفعا في شهادة الثانوية العامة، وتقدمت لدراسة الطب. جميعنا كنا فخورين بها والدتها والدها أخوتها وأنا خالتها حيث كنت أرى فيها عنفواني وطموحي في السعي إلى تبؤ مراتب علمية متقدمة.

وكانت قد أنهت عامها الدراسي الأول في كلية الطب، وما كادت تنتقل إلى السنة الثانية، حتى وقع والدها مريضا ثم نقل إلى المستشفى للعلاج حيث أمضى به فترة وهو تحت الملاحظة، وهنا كانت فرصتها في العناية به لكونها طالبة طب حيث كانت تمر عليه في نهاية يومها العملي فتقرأ ملاحظات الأطباء وتطمئننا على وضعه مبتسمة.

كما تربت على رأسه مطمئنة إياه سعيدة، وما كاد الأب يتماثل للشفاء حتى بلغه أن فتاته المتفوقة في حالة حرجة في البيت يحاول شقيقها إسعافها وإيقاظها بلا جدوى فكان الإسعاف العاجل يهرع بها إلى المستشفى، وما كاد الأطباء ينجحون في إعادة وعيها حتى جاءت الصدمة.. التي أشلت تفكيرنا وجمدت الدماء في عروقنا جميعا.. إن الفتاة تعاني من غرغرينا في الدم!!

يا لهول الخبر العجيب، كيف أصيبت بالغرغرينا وهي تتحرك أمام أنظارنا بلا سوء؟ وتتلاحق الأسئلة.. مم جاءتها الغرغرينا؟ ولمَ جاءتها وهي تبدو بكامل عافيتها؟ لكنها أسئلة مبهمة الإجابة، تراوح في دائرة الحيرة واشتداد القلق. حتى أقر الأطباء بضرورة بتر ساقيها.

وهنا حملناها على وجه السرعة إلى لندن، وهناك أكد الأطباء ما استنتجه الأطباء في دبي وكان بتر ساقيها وأطراف أصابع كفيها أمر لابد منه.

بقيت سنتين وهي تحت الملاحظة والعلاج، ثم انتهت فترة علاجها، لكنها عادت على مقعد متحرك. كيف لي أن انظر إليها الآن ولا أنهار منتحبة وأنا أرى زهرة في حياتي تذبل قبل الأوان بكثير.

كم كنت أخشى لقاءها عند عودتها من رحلة العلاج، لكني تحاملت على نفسي جاهدة إلا أني وجدت فتاة تتمتع بنعمة البسالة والصبر وقوة الإيمان بما كتب الله لها. قالت مبتسمة: خالتي باركي لي لقد التقيت الشيخ حمدان بن محمد بن راشد في لندن وأبلغته رغبتي باستكمال دراستي فوعدني بذلك.

وهانذا عدت بخير وسوف تصنع لي أطراف اصطناعية، وسأعود لاستئناف دراسة الطب حتى أتخرج. أخفيت حزني وألمي وتوقفت أمام الأسئلة مجددا هل كان ما أصابها عين حاسد لم تصل على النبي؟ ربما والله اعلم، حيث لم أجد تفسيرا لما ألم بهذه الفتاة بشكل مفاجئ وهي لم تشك من علة قط.