الحمد لله رب العالمين شرع الحج تزكية للقلوب وتكفيراً للذنوب وتذكيراً للناس بالوقوف للحساب أمام علام الغيوب وأصلي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين خير من حجّ واعتمر وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين وبعد..
في هذه الأيام المباركة أخذت وفود الرحمن من شتى بقاع الأرض يقصدون أعز بقعة على وجه الأرض فأقبلوا بين ماش على قدميه وعلى كل ضامر قطع قاصدوه الفج العميق استجابة لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام والتي دعا مثلها الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها لدعوة كريمة لأداء فريضة من فرائض الإسلام وهي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، حيث البقاع المقدسة والمشاعر المشرفة في مهبط الوحي ومنبع الرسالة هناك، حيث تسكب العبرات وتنزل الرحمات وتقال العثرات وترفع الدرجات وتكفر السيئات ويجود رب البريات.
قال عز وجلّ (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ...).
ولا شك أن الحج من أفضل الطاعات وأجل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى رب الأرض والسماوات، إنه إحدى الدعائم الخمس التي يرتكز عليها الدين الإسلامي الحنيف والتي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «بني الإسلام على خمس، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت».
والحج واجب في العمر مرة على كل مسلم بالغ عاقل قادر مستطيع. قال سبحانه وتعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).
فعلى المسلم أن يبادر بحجة الإسلام، فهو لا يدري ما يأتي به الغد. فعن ابن عباس رضي الله عنه انه قال قال صلى الله عليه وسلم: تعجلوا الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، لأن الحج عبادة العمر وهي ختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين، فمن توفرت له الوسائل لأداء المناسك ففرط وتكاسل كان من الخير محروماً. والله إن ختام الآية السابقة ليخلع القلب ويدمي الفؤاد فكان السياق في غير القرآن أن تكون، ومن لم يحج فإن الله غني عنه، لكن الله عز وجلّ قال ومن كفر تنبيهاً وتحذيراً وتهديداً لمن كان مستطيعاً ولم يحج.
ومن فوائد الحج: غفران الذنوب للمسلم والتي قام بها قبل حجه، وقال رسول الله لعمرو بن العاص عند إسلامه «أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله».
2- الحج سبب من أسباب الغنى: إن فضل الحج لا يقتصر على نفي الذنوب فحسب، بل يتعداه إلى نفي الفقر عن صاحبه، قال صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة».
فكل درهم أنفقته أيها الحاج فهو في ميزان حسناتك، بل ويخلفك الله خيراً منه.
قال تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) سورة سبأ، الآية: 39. إن أموال الحج لترجع إليك مرة أخرى، لأن الذي دعاك إلى هذه الفريضة الله عز وجل وسبحانه أجود وأكرم الأكرمين لا يكلفك شيئاً لأداء هذه الفريضة. وقد حكى لي إنسان ونحسبه ثقة أنه لما أراد الحج وأعدّ لذلك نفقة معينة، قال: لما هممت بالخروج إلى الحج جاءتني نفقات الحج قبل أن أخرج من بيتي، فإن الحج سبب للغنى، إنه ينفي الفقر عن الإنسان.
3- الحج يزيل الفوارق بين المسلمين: فترى وفود الرحمن في صورة مشرقة من أعظم صور المساواة لا فوارق بينهم ولا ميزات بالألوان والأموال أو الأنساب، فتراهم قد تجردوا من ملابس الزينة التي تميز بينهم بالثروة والجاه والسلطات واكتفوا بلباس التقوى والزهادة والإحرام، لا فرق بينهم ولا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود، الكل سواسية كأسنان المشط، كلهم لآدم وآدم من تراب.
قال تعالى (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) سورة الحجرات: 13.
إنها أعظم صور المساواة على وجه الأرض، تجد الخادم بجوار المخدوم، والغني بجوار الفقير، والأبيض بجوار الأسود، تساوى في اللباس، وتساوى في أداء المناسك، إنه إحساس يضعف الإنسان، وأنه مهما بلغ من الجاه والسلطان، والغني فقير إلى الله عز وجلّ، إنه إحساس بالأخوة.
4- تذكير الناس بيوم الحشر: (وعرضوا على ربك صفاً) سورة الكهف من الآية 48). ويقول سبحانه (يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية) سورة الحاقة: 18.
ففي ذلك اليوم العظيم يجمع الله جميع العباد، كما قال سبحانه: (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثاً) سورة النساء: 87. وقال تعالى (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) سورة التغابن: من الآية 9). وقال تعالى (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) سورة هود: 103.
ويستوي في هذا الجمع الأولون والآخرون، فالكل مجموع إلى ذلك الميقات العظيم (قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) سورة الواقعة: 49-50.
ولن يتخلف عن هذا الجمع أحد، ومن هلكوا في أجواء الفضاء ومن ضلوا في أعماق الأرض، ومن أكلتهم الطيور والسباع، الكل سيجمع ولا مفر. قال تعالى (ويوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) سورة الكهف: 47. وقال سبحانه (أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير) سورة البقرة: من الآية 148.
وسيجمعون على أرض غير هذه الأرض، قال الله تعالى: (يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار) سورة إبراهيم: 48، وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم صفة هذه الأرض التي عليها الناس، ففي صحيح البخاري ومسلم عن سهيل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد» أي على أرض مستوية لا ارتفاع فيها ولا انخفاض ولا جبال ولا صخور، وليس فيها علامة سكنى أو بناء.
ويجمعون حفاة لا نعال عليهم، عراة لا لباس عليهم، غرلاً أي غير مختونين، ففي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثم قرأ (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ) سورة الأنبياء:
راية المحزري
