قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله»، فذكر الله عبارة عن التنبيه بالقلب للمذكور والتيقظ له، وسمى الذكر باللسان ذكراً لأنه دلالة على الذكر القلبي غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم، والمراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات.
والذكر هو الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويطلق ذكر الله أيضاً ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة، ثم الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط ألا يقصد به غير معناه، وإذا أضيف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، وإن أضيف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ازداد كمالاً، فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالاً، فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو ابلغ الكمال.
والمراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد والذكر بالقلب التفكير في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها وفي أسرار مخلوقات الله والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة في الطاعات ومن ثم سمى الله الصلاة ذكراً فقال تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله).
ويقول العلماء: الذكر نوعان، ذكر بالقلب وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان: أحدهما وهو أرفع الأذكار وأجلها التفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه وهو الذكر الخفي، والثاني ذكره بالقلب عند الأمر والنهي فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهى عنه ويقف عما أشكل عليه، وأما ذكر اللسان مجرداً فهو أضعف الأذكار ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث.
قال الله تعالى: « يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً»، فقد أمر الله تعالى عباده بأن يذكروه ويشكروه ويكثروا من ذلك على ما أنعم به عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن لما لهم في ذلك من جزيل الثواب وجميل المآب، وأن يشغلوا ألسنتهم في معظم أحوالهم بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وجعل تعالى ذلك دون حد لسهولته على العبد.
ولا يكون المسلم ذاكراً لله تعالى كثيراً حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً. ولعظم الأجر فيه قال ابن عباس: إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإن الله تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على تركه، فقال سبحانه وتعالى: « الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم».. بالليل والنهار، في البر والبحر والجو، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة والسر والعلانية وعلى كل حال فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته. وقال تعالى: «واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين».
رجاء علي