كنا صغاراً عندما تعرفنا على اسم الدكتور مصطفى محمود بعد رحلته من الشك إلى الإيمان، وذلك من خلال برنامجه الشهير «العلم والإيمان» الذي جمع فيه بين العلم ومكتشفاته، وبين الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته سبحانه وتعالى وقدرته العظيمة، بالتفكر والتأمل في خلقه من إنسان وحيوان وجبال وكواكب ونجوم، مسترشداً بالقرآن الكريم الداعي إلى التفكر والتأمل فيما احتواه الكون من مظاهر العظمة الإلهية: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ}، وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَأماً وَقُعُوداً وَعَلَيَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».

وفي السنة النبوية فعن البيهقيّ رحمه الله تعالى في كتاب الأدب بالإسناد الصحيح المتصل أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم قرأ قول الله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ»، ثمّ قال: «ويلٌ لمن قرأها فلم يتفكر».

وتعرفنا عليه أيضاً من خلال رحلته المثيرة من الشك إلى الإيمان، فالرحلة الجديدة عن الإيمان كانت مضنية حتى أتته الفرصة فلم يفوتها طوال أيام حياته، فحفلت بأعمال فكرية وثقافية وعلمية وأدبية وفلسفية، ولم تقتصر أعماله على الفكر والثقافة والأدب بل امتدت إلى الأعمال الإنسانية والخيرية ليقدم للفقراء ما يحتاجون إليه من علاج، فأنشأ عام 1979 مسجده في القاهرة المعروف بـ «مسجد مصطفى محمود»، ويتبع له ثلاثة مراكز طبية تهتم بعلاج ذوي الدخل المحدود، ويقصدها الكثير من أبناء مصر نظراً لسمعتها الطبية، كما شكل قوافل للرحمة من ستة عشر طبيبًا.

فقد زاوج الدكتور مصطفى محمود - رحمه الله تعالى- بين العلم وبين العمل فأعطى المثل على أهمية أن يكون العالم عاملاً بعلمه لا مجرد ناقل لهذا العلم للناس وبعيداً عنهم وعن حياتهم التي يعيشونها، مكتفياً بالجلوس في برجه العاجي والتطلع إليهم من نافذته دون مخالطتهم والعيش معهم، وترك إرثاً علمياً يقدر بـ 89 كتاباً منها الكتب العلمية والدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى الحكايات والمسرحيات وقصص الرحلات، وحوالي 400 حلقة من برنامجه التلفزيوني «العلم والإيمان، ومن أهم كتبه «الإسلام في خندق - زيارة للجنة والنار - عظماء الدنيا وعظماء الآخرة -علم نفس قرآني جديد - الإسلام السياسي والمعركة القادمة -المؤامرة الكبرى - عالم الأسرار - على حافة الانتحار - الله والإنسان».

مات الدكتور مصطفى محمود ولكنه مثل العلماء العاملين الذين تخلد ذكراهم بما قدموه من علم ينتفع به طلاب العلم، وصدقة جارية ينتفع منها أصحاب الحاجات.

سيد طنطاوي