أكد الدكتور خلدون عبدالعزيز مخلوطة إمام وخطيب مسجد الحمرية بدبي أن تلقي العلم في المدارس والمساجد يعود على المتلقي بفوائد جمة، لأنه يجمع بين الجديد والقديم، والأصالة والمعاصرة، ذلك أن التعليم النظامي يوسع آفاق المتعلم فيعيش واقع الحياة، كما ان دراستي للمواد العلمية في المرحلة الثانوية أكسبتني مهارات سهلت لي فهم العلوم الشرعية المختلفة.
وقال إن «تلقي العلم على يد العلماء في المساجد له آثاره الإيجابية، حيث انصبغت تلك العلوم بصبغة الإيمان، فكانت تعاليم الدين توجهني التوجيه الصحيح، وتبعدني عن مزالق الإلحاد والانحراف، وهذا ما أحدث في نفسي دافعا قويا في تلقي العلم، جعلني في حالة من الاستقرار والسعادة».
وكان لنا معه هذا الحوار: تلقيتم العلم في مؤسسات التعليم النظامي (المدارس) وفي المساجد على أيدي علماء فاضلين، ما الذي قدمه لكم هذان التعليمان؟ وما الذي وجدتموه في المساجد ولم تجدوه في المدارس؟ للمسجد خصوصية تضفي على طالب العلم نوراً وإشراقاً، يشعر المتلقي فيها بالسكينة والطمأنينة، ومن هنا ندرك سر قول النبي صلى الله عليه وسلم (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله) فهو وإن كان لا يعني الخصوصية ولكن تبقى دلالة (بيوت الله) لها رونقها وتألقها.
ما رأيكم في التعليم المدرسي اليوم ومؤسساته؟
نعاني اليوم من إشكالات كبيرة أهمها غياب المنهج التعليمي الإسلامي الذي يتوافق مع نظرة الإسلام للكون والإنسان والحياة والدار الآخرة، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بتخريج الأستاذ المربي وتطويره، فبدلاً من تغيير المناهج بصورة متسارعة كان الأولى بذل الجهود والأموال في تحسين أداء المدرس، كما أننا نعاني من عدم تعويد الطالب على القيام بنفسه بالبحث وتدريبه على أصوله.
نعيش اليوم أزمة أخلاقية واضحة تظهر في كل مجالات الحياة، ما السبيل إلى العودة إلى الأخلاق الإسلامية العظيمة في رأيكم؟
يعمل الإسلام على إشاعة المحبة والمساواة والتضامن والعدالة والتعاون بين أفراد المجتمع، وهذا من خلال إحاطة الإنسان بمناعات عقائدية وتشريعية، وضوابط أخلاقية، وإننا اليوم أمام أزمة أخلاقية تتمثل في سوء تعامل الإنسان مع ربه أولاً، ثم مع نفسه، ثم مجتمعه، وهذا مما يجب أن يهيب بالعلماء إلى سرعة تشخيص هذه الأحوال ووصف العلاجات المناسبة، وأهم الوسائل التي تساعد الإنسان في رقي أخلاقه وتهذيب نفسه: أن الأخلاق يمكن تقويمها وتعديلها، واكتساب الجيد منها والتخلي عن قبيحها، ومعرفة أنواع الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام، وأنها عبادة يتقرب بها إلى الله، وكذلك معرفة أنواع الأخلاق الرديئة التي نهى عنها، وأنها سبب سخط الله ودخول النار، 3- الإرادة الصادقة في التغيير.
ولكن كيف يمكن تحويل هذه الأخلاق إلى واقع لدى الأجيال؟ هناك أمراض تصيب النفوس والقلوب، فتظهر في خلق قبيح وسلوك مشين، وقد أوضح علماء التربية والسلوك وسائل معالجة القلوب، وطرق اكتساب الأخلاق الربانية، منها: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا الآفات، يأخذ عنه العلم والتربية معاً، وأن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً، يلاحظ أحواله وأفعاله، وينبهه وينصحه، ومعرفته بعيوب نفسه من ألسنة أعدائه، وأن يخالط الناس فكل ما رآه مذموماً فيهم ابتعد عنه، فيرى في عيوب غيره عيوب نفسه، والحرص على اللقمة الحلال لأنها أساس كل نعمة وخلق فضيل، ولقمة الحرام أساس كل نقمة وخلق ذميم. الحلال بين والحرام بين والشبهات قليلة وأمرها هيِّن، يرى البعض ان الأمر لا يحتاج لكل هذا التفصيل الذي امتلأت به كتب الفقه؟
لا شك أن الحلال بيِّن وواضح في كتاب الله وسنة رسوله، وكذلك الحرام، إلا أن هذا يمثل قاعدة كلية تحتوي على كثير من الجزئيات التي تدخل في مجالات متعددة، ابتداء من العبادات والمعاملات وانتهاء بالسلوك والأخلاق، وهذا يحتاج لعلم بحقيقة الحلال والحرام من خلال البحث في دلالة النصوص وتحري الضوابط والحدود.
ألا تعتقدون أن ما يسمى بالتراث الفقهي الموجود في المكتبة الإسلامية يحوي الكثير من التكرار والتفصيل في فروع الفروع دون فائدة ترجى؟
الفقه الإسلامي بنيان شامخ متين، ومفخرة من مفاخر الأمة، نشأ وتطور عبر قرون طويلة، وشهد بعظمته كبار رجال القانون المعاصر، لما امتاز به من المرونة. وفي وقتنا الحاضر يواجه الفقه الإسلامي حملة شعواء تهدف إلى تشويهه من طرفين: 1-طرف عمل فيهم الغزو الفكري الأجنبي، فأصبحوا غرباء عن أمتهم في تفكيرهم وثقافتهم، فهم يتسترون بالهجوم على الفقه الإسلامي، والحقيقة إنهم يقصدون الخروج عن الكتاب والسنة، لأن الفقه عبارة عن فهم منضبط لهذين الأصلين، 2- بعض المنتسبين لهذا الدين، اتصفوا بضعف في ملكاتهم الفقهية، وشح في رصيدهم اللغوي والفقهي لأنهم لم يمارسوا قراءة الفقه، فراحوا يصفونه بالصعوبة والتعقيد، وما علموا أنهم بذلك يخدمون أعداء الأمة.
أما عن التفاصيل الكثيرة التي امتلأت بها كتب الفقه فإنها تدل على غزارة هذه المادة وحيوتها، لأنها غطت كثيراً من المستجدات والحوادث، كما أنها وسّعت من آفاق المتفقِّه، وفي هذا تحفيز للعقل وإثارة للفكر.
فضيلة الشيخ هناك من يقول إن علم أصول الفقه قد وضع بطريقة من يريد أن يصل إلى أحكام معينة، فمثلاً قاعدة « العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، لا تنظر في طبيعة الظرف المرحلي التاريخي والمعرفي الذي جاء فيه النص، فما هي الأسس التي تجعلنا نقبل بقواعد هذا العلم وهي في الأصل كما يقال من وضع البشر.
علم أصول الفقه: عبارة عن مجموعة من القواعد العامة التي تستخدم في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة الشرعية، كالقاعدة التي تقول: (الأمر يفيد الوجوب) وذلك كقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) أفادنا وجوب الصلاة بناء على إطلاق الأمر في قوله (أقيموا)، وكذلك قولهم (النهي يفيد التحريم)، وذلك كقوله تعالى (ولا تقربوا الزنى) أفادنا تحريم الزنا بناء على إطلاق النهي في قوله (ولا تقربوا)، والفقيه في حاجة ماسة لهذا العلم لأنه يضع له منهجاً علمياً في البحث، وقانوناً عاصماً للذهن من الخطأ في الاستدلال.
و هذه القواعد استخرجها العلماء بعد استقراء نصوص الكتاب والسنة، والبحث في مفردات اللغة ودلالاتها، وهي معروفة لدى الصحابة سجية وسليقة وان لم تكن بهذه المصطلحات، فهم يمارسونها عملياً عند تعرفهم للحكم الشرعي، ثم جاء العلماء بعدهم فضبطوها وأصلوها بهذه القواعد، كما فعل علماء النحو عندما وضعوا قواعد اللغة، والعربي القديم ينطق بذلك سليقة دون معرفته بهذه المسميات.
أما عن قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فتعني أنه إذا ورد نص في القرآن والسنة بصيغة العموم، وكان سببه حادثة وقعت من شخص معين، وليس هناك من القرائن ما يدل على التخصيص، فإن دلالة النص تبقى على عمومها، أما عن الظرف التاريخي والمعرفي للنص فهناك حقائق لا تتبدل ولا تتغير بتبدل الزمان والمكان.
حوار ـ ماهر سقا أميني


