في نهايات الأسبوع المسائية تحديداً، عند اقتراب عقارب الساعة من صباح اليوم التالي.. تنتظر عفراء عودة والدتها من العرس، لتُمطرها بسيل من الأسئلة التي تُشبع فضول البنات حول عالم مجهول لا يخطين نحوه إلا بعد الزواج..

«كيف كانت العروس؟ حلوه؟ وكيف فستانها؟ وأي لون حاطه مكياج؟».. انزين عرسهم مرتب؟ يوهم معازيم وايد؟».

لا تصمت عفراء عن أسئلتها المتتالية إلا بعد دخول والدها على خط الحوار.. فينهرها بحديثه المعتاد.. «البنات ما يطرن العرس.. عيب، ان سمعتج تطرين العرس قصيت لسانج.. هذا كله من الجامعه وبلاويها»..

آثرت عفراء الانسحاب والصمت.. بعد أن تراءت لها صورة شقيقتها المتزوجة، عندما مُنعت من رؤية زوجها حتى ليلة العرس.. لأنه عيب! بينما لا تتحمل فكرة تكرار المصير..

لا تتوب عفراء عن عادتها، بل تمارسها بشكل منتظم.. فهناك ما يثير الفضول حتماً إن كان الحديث خاصاً لتلك الدرجة!! ولا يجوز تداوله.

تعود أدراجها نحو نوافذ الماسنجر المشرعة على آفاق أكثر حرية، لتكمل محادثةً مشابهة كانت بدأتها مع صديقتها لطيفة حول الموضوع ذاته، على الأقل صديقتها تحضر الأعراس وستشبع نهم المعرفة لديها.. دون أن تتلفظ بالعيب الذي يضيق الخناق على أسئلة عفراء، فيبقى الإنترنت متنفسها الأفضل مادام الظلام يحيط بالشرفات القريبة.

في ثقافة الأمهات المحلية جرت العادة ألا تتداول البنات تلك الأحاديث، خاصةً في حضرة الكبار، بل في الخفاء وبين الصديقات متى ما سنحت الفرصة، ويبقى حضور حفلات الزواج حكراً على بعض الفتيات من بنات العائلات الأكثر تفتحاً.

اليوم.. تمازجت أطياف البنات، وتلاشت الخطوط الفاصلة بين العيب والمتاح، فأصبح لا بد من الإجابة على أسئلتهن من مصادرها الصحيحة، وإلا فالانترنت سيتكفل بذلك، وسيزودهن بالصور والشروحات اللازمة.. فيصبح محرك البحث على الشبكة أماً وأختاً وصديقة لا تمل الأسئلة. على الجانب الآخر.. تتسع مساحات الحرية لآدم على حساب حواء، فلا عيب يكدر صفو حريته، ولا أسئلة دون أجوبة.. فالتجارب والمغامرات خير مُجيب.

المفاجأة كانت عند جلوس عفراء في أحد مقاهي المراكز التجارية في رحلة سرية مع صديقات أقنعنها بالتعرف إلى الحياة بعيداً عما يردده والدها عن العيبٍ، عندما اكتشفت عفراء عالماً جديداً، ملوناً.. لطالما تحدث عنه شقيقها في رحلاته الدائمة مع أصدقائه..

وهي تتذوق أطايب الطعام بصحبة صديقاتها،، تخيلت وجه والدتها عندما تراها.. «البنات اللي ياكلن في المطاعم جدام الرياييل ما يستحن..! البنت سترها بيتها.. عيب، الناس شو بيقولون عنهن».. أما موقف والدها فأبعد ما يكون عن الكلام.. فعل يترك آثاراً على الجلد.. تبقى لأيام.. السؤال: متى يترك بعض الناس.. البعض الآخر في حالهم؟

تلك الخيالات كانت كفيلة بقتل لذة الطعام، والقضاء على فرح مسروق، لأن العيب كان أكبر من الكلام.. عادت عفراء إلى البيت وآثرت البقاء في عالم عالي الأسوار، وتكتشفه عبر نوافذه العنكبوتية.

حكاية عفراء ليست مبالغة درامية، بل حالة متكررة.. قد تخضع لمتغيرات ولكنها تتواجد في أروقة المدارس والجامعات، أو الكليات التي تضمن عملاً غير مختلط للبنات، مثل التربية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، أو في البيوت.. بانتظار عريس يفك غمّة العيب، ويحمل أملاً ولو كاذباً.. بوظيفة أو رخصة قيادة تروي ظمأ الفضول.