في السنة الأولى في الغربة كان الالتزام بالتواصل مع الأهل واجباً، وكان الاتصال الهاتفي بهم شبه يومي إن لم يكن يوميا، فقد كانت تلك تجربة البعد الأولى عن العائلة، وعليه فقد كان حبل التواصل بيني وبينهم في الوطن ما زال ساخنا، فلم أكن قد اعتدت الابتعاد الطويل عنهم بعد، ويومها كنت في بداية سلم الاستقلالية، فبقيت أشهرا وأنا مشدود للبلد والبيت والأهل.
ونحن كأولاد نتذمر عادة من قلق ذوينا علينا عندما نسافر ويزداد قلقهم حين يطول غيابنا وحين تنقطع أخبارنا عنهم فجأة، خاصة الأم بالدرجة الأولى، أما الأب فهو لاشك يقلق أيضا لانقطاع التواصل، لكنه في العادة يعتمد على تطمينات الأم غالبا، لكونها ربة البيت والأكثر إلحاحا ومتابعة لمعرفة أخبار وأحوال أبنائها إن تأخروا.
وكنت قد اتجهت إلى أميركا للدراسة في نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي، فمضت الشهور الأولى من العام الدراسي الأول وأنا أحاول التأقلم مع الأجواء والمناخ وأنماط الناس وسلوكياتهم وتعاملاتهم معي؛ إن كان في الجامعة أو المرافق العامة والسكن، وكانت صدمة الغربة الأولى كما تسمى قد أوثقت رباطي بالهاتف ويومها لم تكن الهواتف المتحركة بهذه الكثافة، وإنما كان الاعتماد على الهاتف الثابت فقط، فكنت أرابط قرب الهاتف بمجرد العودة من الكلية، ولعلني أنفقت أكثر مخصصاتي المالية على الاتصالات حينها.
الحقيقة نحن محظوظون لكوننا من مجتمع إسلامي يحض على تقدير العائلة، ويبجل احترام الوالدين ويفرض البر بهم. لذلك مهما ابتعدنا تبقى أواصر القربى تشدنا بالشوق والحنين، ما لم تتدخل عوامل تنحى بنا إلى وجهات أخرى رغما عنا، كما حصل بعدما ألفت الحياة في الغربة.
وانهمكت في الدراسة، وكنت كلما انقضت فترة دراسية ضاغطة أو مكثفة شغلتُ وقت فراغي بالاكتشاف وتكوين العلاقات الاجتماعية، فتباعد التواصل مع الأهل بعدما كان شبه يومي، صار أسبوعيا، حتى مضت فترة من انشغالي من دون أن أشعر أنه قد انقضى شهر ولم أتواصل مع أهلي فخشيت أن يؤرقهم القلق علي، وهو ما كان فعلا حيث وجدت أمي شبه منهارة ووالدي غاضب، فوعدتها أن أتصل لاحقا وأتحدث معه.
وأيضا مضى الوقت سريعا، لكن إلى جانب انشغالي بالدراسة انشغلت بمرض جلدي ظهر فجأة في باطن كفي وعلى ظاهرها، وفشلت كل الأدوية من أكثر من طبيب معالج في شفائها، وذات يوم التقيت مصادفة بأحد الأشخاص قادما من الدولة، وقد صافحني وأبلغني بتحيات أهلي وقلقهم علي، ومن فوري قمت بالاتصال بهم واعتذرت لوالدي وشرحت له سبب تقصيري، وبقلب الأب المحب بالطبع سامح وغفر، مطالبا بالا يتكرر الأمر.
ما حدث بعد ذلك كان درسا حقيقا جعلني التزم بالاتصال والسلام على والدي، في بلد الدراسة أولا حتى أنهيتها وعدت بشهادة التخرج، ومنذ ذلك اليوم والى يومنا هذا لا أسمح لنفسي بأن يمر يوم من دون السلام على والدي. وأما الدرس فقد كان في ذلك التقرح في كفي قبل أن التقي ذلك الرجل الحامل إليّ عتب أهلي، فقد شفي كفي في اليوم التالي على اتصالي بوالدي، فأدركت أنها رسالة تحذير إلهية استوعبتها تماماً.
