افتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، صباح أمس أعمال المؤتمر الثاني للشركات الاستثمارية والمستثمرين العالميين الذي ينظمه بنك ميريل لينش الأميركي في دبي في الفترة من التاسع إلى الحادي عشر من الشهر الجاري.
وأعرب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن سروره لدعوة سموه كي يكون راعياً ومتحدثاً رئيسياً في المؤتمر الذي يشارك فيه أكثر من خمس وثلاثين شركة استثمارية ونحو 135 رجل أعمال ومستثمرا وخبيرا ماليا من المنطقة والعالم. إذ رحّب سموه بانعقاد هذا المؤتمر على أرض دولة الإمارات وفي رحاب مدينة العاصمة المالية والتجارية والتي ستظل كذلك بإذن الله.
وتحدث سموه بإسهاب وبصراحته المعهودة ووضوحه التام عن تداعيات الأزمة المالية العالمية على مستوى العالم والتدابير اللازمة التي اتخذتها دبي للتعاطي مع النتائج الناجمة عن تقلص الاقتصاد العالمي وانكماش الأسواق وذلك ليس بمعزل عن الخطوات الجادة والمهمة التي قامت بها دولة الإمارات في هذا الخصوص.
مؤكداً سموه أن دبي جزء لا يتجزأ من اتحاد دولة الإمارات ودبي وأبوظبي وبقية الإمارات هي جسد واحد ومصيرها واحد، منوهاً سموه بأن الأسرتين الحاكمتين آل نهيان وآل مكتوم في أبوظبي ودبي هما أسرة واحدة وتربطهما أواصر القربى والدم، وجذورنا واحدة، ولا يمكن فَصْم عُرى هذه الصلات، «فمن يتكلم عن أبوظبي ودبي كإماراتين تسيران في اتجاهين متعاكسين، أقول لهؤلاء اصمتوا ولا تتفوهوا بما هو عكس الواقع تماماً، لأننا دولة واحدة، نفتخر برئيسنا أخي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ـ حفظه الله ـ ونحن فخورون بدولتنا وبشعبنا، وشعبنا فخور بقيادته وحكمتها وعروبتها وأصالتها».
ثم تابع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلقاء كلمته أمام المؤتمر المخصص للشرق الأوسط وشمال إفريقيا والحضور الذي ضمَّ سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس هيئة الطيران المدني بدبي، الرئيس الأعلى لمجموعة طيران الإمارات، والفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي، ومحمد إبراهيم الشيباني مدير ديوان صاحب السمو حاكم دبي، والفريق مصبح راشد الفتان مدير مكتب صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وسلطان بن سليّم رئيس دبي العالمية للموانئ، وسعيد الطاير عضو مجلس الإدارة المنتدب ـ الرئيس التنفيذي لهيئة كهرباء ومياه دبي، وأحمد بن بيات الرئيس التنفيذي لشركة دبي القابضة، وأحمد عبدالله الشيخ المرافق الإعلامي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وعضو مجلس الإدارة المنتدب المدير العام لمؤسسة دبي للإعلام، وعبدالله الشيباني أمين عام المجلس التنفيذي في دبي خالد بن سليّم المدير التنفيذي لدائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي، إلى جانب عدد من رؤساء تحرير الصحف المحلية، وجوناثان مولدز رئيس أميركا اللاتينية وكندا والشرق الأوسط في بنك «ميريل لينش أميركا»، الذي قدم صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إلى المؤتمر بصفته راعياً ومتحدثاً رئيسياً للمؤتمر، منوهاً بأهمية دبي كمركز مالي وتجاري واستثماري إقليمي وعالمي، ومشيداً بالتسهيلات اللوجستية الوفيرة التي توفرها هذه المدينة العصرية للمستثمرين والحالمين بمستقبل واعد.
وفي ما يلي النص الكامل لكلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:
بداية أود أن أعرب عن شكري وامتناني لدعوتي للحديث ضمن هذا اللقاء المهم.
كما أود أن أرحب بكم جميعاً في بلدكم الثاني الإمارات وبيتكم الثاني دبي التي آمل لكم فيها طيب الإقامة. يعرف معظمكم شدة حرصي على الوقت لذا سأدخل مباشرة في صلب الموضوع والذي أعتقد أنه يعنيكم كثيرا بشكل أو بآخر، وهو اقتصاد دبي ولن أضيع وقتكم في سرد تفاصيل الأزمة الاقتصادية العالمية لأنكم أهل الخبرة والاختصاص في هذا الشأن.
ولكنني اليوم أريد أن أشارككم جانباً من أفكاري المتعلقة بالأزمة التي انعكست آثارها على شرق العالم وغربه وشكلت حدثاً اقتصادياً كونياً وتأثرت بها اقتصادات العالم الكبرى قبل أن تمس أسواقه الناشئة. فقد خلفت تداعياتها واقعاً اقتصادياً على مستوى العالم وكانت تأثيراتها على الاقتصاديات المنفتحة أكثر وطأة من نظيرتها المنغلقة والأقل ارتباطاً وتفاعلاً مع الأسواق الدولية.
لذا كان على دبي اتخاذ التدابير اللازمة للتعاطي مع النتائج الناجمة عن تقلص الاقتصاد العالمي وانكماش الأسواق ولم تكن مبادرات دبي في هذا الاتجاه بمعزل عن الخطوات الجادة والمهمة التي قامت بها الدولة في هذا الخصوص، فكما تعلمون بأن دبي جزء لا يتجزأ من اتحاد دولة الإمارات. لكنني لن أتطرق إلى سرد المبادرات التي اتخذناها للتصدي لانعكاسات الأزمة فمعظمكم على معرفة بما اتخذناه من خطوات في هذا الصدد سواءً على المستوى الاتحادي أم المحلي.
وأفضل اليوم أن أتناول في حديثي معكم الثوابت والحقائق المهمة والتي أوجزها في عبارة بسيطة مفادها.. إن الأزمة العالمية على الرغم من تأثيراتها الوقتية لن تثني دبي عن طموحها التنموي، ولن تزيحها عن موقعها الريادي، ولن تبعدها عن دورها الفاعل في ساحة الاقتصاد العالمي، ولن تفت من عزم أبنائها وتصميمهم على مواصلة مسيرة التطوير.
ومع أنني اتفق مع من يقول بأن الكلام سهل والمحك الحقيقي في التطبيق فإن ثقتي كاملة في قدرتنا على الفعل، والدليل على ذلك الانجازات التي تقف واضحة للعيان على أرض دبي فهي خير برهان على واقعية تلك القناعة التي لم تأت من فراغ أو تستمد وجودها من آمال براقة وفي ذات الوقت خاوية.
إننا في دولة الإمارات بقيادة أخي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة نواصل ما بدأه المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان ووالدنا الشيخ راشد بن سعيد منذ بداية العقد السابع من القرن الماضي عندما دشنا مرحلة وضع اللبنات الأولى للاتحاد فكانت الانطلاقة المباركة.
وعندما قرر والدي المضي قدما في مشروع توسعة الخور وأمر ببناء مطار دبي الدولي ووجه بإقامة ميناء جبل علي ضمن سلسلة من المشاريع العملاقة لم يُخف من حوله شكوكهم في جدواها الاقتصادية آنذاك.
ولكن هذه هي دبي وهؤلاء هم أبناؤها الذين من شيمتهم التطلع للمستقبل بعين ثاقبة وخطوات ثابتة، ومنهجهم العمل ونبراسهم الإيمان بالله وبتوفيقه لهم .. وبقدرتهم الذاتية على قهر التحديات واقتحام مجالات تبدو للوهلة الأولى ضرباً من الخيال البعيد.
واليوم نحصد ما غرسه الآباء فاقتصادنا متنوع ولا يعتمد فقط على الاستثمارات الأجنبية التي نرحب بها على ارض دبي حيث نفخر بمجموعة من الشركات الوطنية الانتماء والعالمية الانتشار التي تتمتع بالقدرة العالية والسمعة الدولية مثل طيران الإمارات وموانئ دبي العالمية ومجموعة جميرا وغيرها من الشركات التي تمثل الدروع الحقيقية لمقدرتنا الاقتصادية في دبي.
هذه الانجازات وغيرها هي الدليل العملي والواقعي الذي نثبت به من خلاله قدرتنا على تخطي الأزمات وهي بطاقتنا الذهبية لمواصلة مرحلة جديدة من النمو والتطور. وقد أدركنا منذ وقت مبكر أهمية الاستثمار في ترسيخ قواعد بنية أساسية تتمتع بأعلى درجات الاعتمادية وتواكب أحدث ما وصل إليه العلم في مختلف المجالات.
إن خيارنا الاستراتيجي هو أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون مع حرصنا على تطوير نموذج تنموي يضمن لنا القدرة على مواجهة التحديات بأسلوب مرن وفعال يضع الإنسان في مقدمة أولوياته .
وربما يرى البعض أنه كان من الممكن أن تتحرك دبي بسرعة أكبر في اتجاه معالجة آثار الأزمة العالمية إلا أننا آثرنا التريث على الاندفاع لحرصنا على ضمان تعزيز إمكانات مؤسسات الأعمال الرئيسية في دبي لإعادة هيكلتها بنحو يمنحها القوة والقدرة للتأقلم مع الواقع الجديد للاقتصاد الذي خرج من أتون الأزمة ليفرض على الاقتصادات الكبرى معدلات نمو أبطأ ويفتح آفاقاً واعدة أمام أسواق ناشئة كالهند والصين ضمن مرحلة ستتنامى فيها أدوار وأهمية تلك الأسواق.
إنني واثق بأن الأسوأ قد مر وأن أقتم غيوم الأزمة الاقتصادية قد انجلى وأن دبي أصبحت الآن مع بزوغ مؤشرات تعافي الاقتصاد العالمي في وضع يسمح لها باستثمار قواها الكامنة والمتأصلة في ذاتها لخوض جولات جديدة في سباقها نحو التميز ذلك السباق الذي وقف العالم بأسره شاهداً عليه ومشاهداً لحلقاته طوال العقود الثلاثة الماضية مبهوراً بقدرتنا على الانجاز والتميز.
إن ثقتي الكبيرة في قدرة دبي على تجاوز الأزمة ليست من فراغ ولكنها تستند إلى حقائق لواقع ملموس أود أن أشارككم بعض ملامحه والتي ربما تعمد البعض تناسيها وإغفالها عندما أطلق أحكامه المسبقة على دبي وإمكانات تخطيها لموقف فرضته ظروف دولية لم تكن دبي استثناءً منها.
إنها سلسلة من عناصر اجتمعت لدبي لتجعل منا (شاء البعض أم أبى) الخيار الأمثل لمجتمع الاستثمار العالمي الساعي إلى إقامة أعمال يمكن من خلالها اقتحام أسواق منطقة مترامية الأطراف يقدر تعداد سكانها بأكثر من ملياري نسمة وهي سوق ناشئة وحبلى بالفرص التي باتت الأسواق الكبرى تفتقر إليها بسبب بلوغها مراحل متقدمة من التشبع.
وأريد أن أؤكد على حقائق مهمة ومنها:
-إن الأزمة العالمية لن تزحزح دبي عن موقعها الجغرافي المتميز في قلب العالم كحلقة وصل لا غنى عنها بين شرقه وغربه.
- توافر البنية الأساسية وشبكات الربط الجوية والبحرية عالية الأداء التي تدعم قدرتنا على النفاذ إلى أسواق المنطقة وتحقق الارتباط الفعال مع أطرافها، حيث أعدت دبي عدتها لذلك.
- فميناء جبل علي هو السادس بين أكبر موانئ العالم والأكبر في منطقة الشرق الأوسط.
- أما مطار دبي الدولي فهو يأتي أيضاً سادساً بين أكبر مطارات العالم من ناحية المسافرين، حيث يخدم (مائة وخمسة وعشرين) شركة طيران تسيّر رحلات إلى أكثر من مائتين وعشر وجهات سفر في القارات الست. - وعند اكتمال العمل في مطار آل مكتوم الدولي سيحتل المرتبة الأولى بين أكبر مطارات العالم بطاقة استيعابية تصل إلى مائة وستين مليون مسافر واثني عشر مليون طن من البضائع سنويا مع كونه مجهزا لاستقبال طائرات السفر والشحن العملاقة.
- ومع اكتمال الموقع الجغرافي والبنية التحتية اللوجستية كان حرصنا على تطوير البنية الأساسية التشريعية التي تعزز واحداً من قطاعاتنا الأربعة الرئيسية وهو قطاع الخدمات المالية.
- فقد شهد العالم لنجاح دبي كسوق مالية متكاملة الأركان تتوسط الأسواق العالمية الكبرى من نيويورك ولندن غرباً إلى هونغ كونغ وطوكيو شرقاً لتمثل حلقة وصل مركزية تستند إلى هياكل تنظيمية مهمة من أبرزها مركز دبي المالي الذي نجح في كسب احترام وتقدير المجتمع المالي الدولي بنظامه القانوني العالمي.
- لقد نجحنا في دبي وتمكنا من بناء بيئة أعمال صديقة تلبي للمستثمر تطلعاته سواءً من تسهيلات متميزة مثل الإعفاء الكامل من ضرائب الدخل والشركات أو عبر توفير بنية تكنولوجية ذات درجات كفاءة عالية أو تجهيزات عقارية أو خدمات حرفية ومهنية أو مرافق خدمية تلبي احتياجاته هو وكافة أفراد أسرته.
- وهناك مدن دبي للانترنت والإعلام والاستوديوهات وقرية المعرفة والمدينة الأكاديمية ومجمع دبي للتقنيات الحيوية ومنطقة دبي للتعهيد وغيرها من المشروعات النوعية التي قصدنا بها إقامة قواعد ومنصات انطلاق لاقتصاد المعرفة على أرض دبي وهي انجازات نفخر بتحقيقها ولكنها ليست كل شيء فالمزيد آت.
ولن استطرد في سرد المفردات التي ترسخ من يقيننا من قدرة دبي على نفض غبار هذه الأزمة العابرة ولكنني أردت فقط أن أنوه بأن من يعتقد أن اقتصاد دبي وقصة نجاحها التنموية كانت قاطرتها الوحيدة مشاريع التنمية العقارية هو شخص جافاه الصواب ولا احد ينكر وجود طفرة عقارية كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية ولكن من الإجحاف اختصار تجربة دبي في تلك المشاريع فحسب مهما كانت ضخامتها، فقصة نجاح دبي التنموية أوسع نطاقاً وأكثر عمقاً وتنوعاً من الناحية الاستراتيجية.
كما أن دبي ليست وحدها فهي جزء لا يتجزأ من دولة الإمارات هذا الاتحاد الصلب والقوي الذي يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص ومن هنا فان نجاح دبي هو امتداد لنجاح أبوظبي والعكس صحيح والأمر ذاته بالنسبة لبقية الإمارات السبع فالشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة التي يشكل اتحادها قوة لا تقهر وحصناً منيعاً لا يمكن أن تفت التحديات من عضده. إن هذا الاتحاد هو مصدر ثقتنا وقوتنا.
دبي ـ وليد العارضة
