الأمر يبدو مختلفاً لبساطة شديدة، فالطرف الثاني هو الميت.. فيما للحكاية دلالات أخرى صريحة ومفارقات تبدو مثيرة، ومواقف ترسخ في الذاكرة ولا تنتهي.. قصص أخرى عديدة تتجدد كل يوم، طالما أن بطل الحكاية هو الشاهد الحي بين آلاف الجثث التي تراكمت منذ ثلاثين عاماً على خشبات التشريح في دبي وليبيا وبريطانيا.
في طريقي إلى القيادة العامة لشرطة دبي، حيث مقر إدارة الطب الشرعي، حاصرتني الرهبة وتملكني التوجس من مكان غريب لا يحبذ الكثيرون التواجد فيه، لا سيما وهو الاسم المرتبط في أذهان العامة بقضايا الموت والقتل والجرائم.. لكن ذلك الشعور لم يدم طويلاً حينما وجدت نفسي على عتبة ذلك المبنى المليء بالأسرار، ولاحقاً تلاشت كل ملامح الرهبة ما دامت رائحة الموت لم تغطِ المكان كما كنت أحسب. بمجرد الدخول إلى مكتب الخبير الدكتور فوزي عبد السلام بن عمران، مدير إدارة الطب الشرعي في القيادة العامة لشرطة دبي، وأستاذ الطب الشرعي في كلية دبي الطبية وأكاديمية شرطة دبي، تحول الواقع في سياقه إلى منحى آخر أكثر تعبيراً، حيث لطالما ظلت القناعة في ذلك المكان محصورة في جملة وحيدة وهي «الخوف من الأحياء وليس الأموات».
نظرة احترام
في مخيلة الدكتور فوزي بن عمران فإن نظرة الإنسان إلى الموتى تعكس نظرته إلى الأحياء من باب احترام الإنسان، فالموت كما يراه هو حقيقة واقعة ونهاية حتمية للحياة، وهو إفلات نهائي من الأذى والظلم والجور والانتقال إلى رحمة الله الواسعة.
سألت الدكتور فوزي: لماذا لا تخشى هذه المهنة؟ فأجابني: لا أخاف من الموت ولا أحرص على الحياة بتشدد، فلكل أجل كتاب، ولا مكان في رأسي للأساطير التي لا أساس لها من الصحة والمرتبطة في أذهان ضعاف العقيدة من خلال أفلام الرعب التي تدور حول الموتى.. الأولى والأجدر أن يحذر الإنسان من الأحياء؛ وخاصة شياطين الإنس..
والمفارقة الأكثر تعبيراً أنني طيلة حياتي لم أحلم بميت، رغم أني غارق في عملي بين الجثث والأموات.
في العام 1980 أوجدت القيادة العامة لشرطة دبي مسمى الطب الشرعي، وكان قسماً من أقسام إدارة الأدلة الجنائية، قبل أن يصبح إدارة تتبع الإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة، ومنذ العام 1997 التحق الدكتور فوزي بتلك الإدارة، وهو الآن على رأس العمل فيها.. والطب الشرعي فرع من فروع التخصصات الطبية المنبثقة عن علم الطب العام، وهو التخصص الذي يتعامل مع الجوانب الطبية المتعلقة بالقانون أو بالمسائل القانونية التي يتعلق فيها الدليل المادي بجسم الإنسان أو بصحته.
موتى وأحياء
مارس الدكتور فوزي مهنة الطب الشرعي في مرحلة التخصص في بريطانيا العام 1979، ثم في وظيفته الأولى في بلده ليبيا، وإلى الآن أكمل ثلاثين عاماً من العمل بين بريطانيا وليبيا ودبي، وخلال هذه المدة تعامل شخصياً مع آلاف القضايا التي شملت موتى وأحياء، وبشكل غير مباشر مع آلاف أخرى لكونه كان على رأس المؤسسة في ليبيا ودبي.
أما إدارة الطب الشرعي في شرطة دبي، فهي تستقبل قضايا مختلفة تشمل الوفيات التي تكتنفها شبهة جنائية وكثيراً من الوفيات الطبيعية عندما لا تتوافر شهادة طبية من طبيب الصحة أو طبيب المستشفى توضح سبب الوفاة، إضافة إلى قضايا الإيذاء المتعلقة بالأحياء وقضايا الجرائم الجنسية وقضايا تقدير الأعمار وقضايا المسؤولية الطبية وغيرها.
المتوسط السنوي للقضايا الواردة إلى الإدارة خلال السنوات السبع الماضية، بلغ 3242 قضية، من بينها 1124 قضية وفاة، أي بنسبة 35% من إجمالي القضايا، وبلغ متوسط وفيات القتل نحو 27 قضية سنوياً، أي بنسبة 4, 2% من إجمالي الوفيات الواردة إلى الإدارة.
والجدير بالذكر أن هذا المعدل سيقل إذا ما احتسب بالنسبة لجميع الوفيات في دبي أو بالنسبة لعدد السكان، ويعبر ذلك عن حقيقة انخفاض جرائم القتل في دبي مقارنة بدول أخرى مساوية في عدد السكان، بحسب ما يوضح الدكتور فوزي بن عمران.
تحقيق العدل
شعور الطبيب الشرعي أثناء التشريح لا يختلف عن شعور الجراح الذي يجري عملية جراحية لإنسان على قيد الحياة، فالمتوفى غيبه الموت، والمريض غيبه التخدير، وكلاهما لا يشعر بالألم ولا بمن حوله، كما أن الجراح يعمل من أجل شفاء المريض فإن الطبيب الشرعي يعمل لمصلحة المتوفى والمحيطين به، وذلك عندما يسعى إلى تبيان سبب وكيفية الوفاة، وما قد يترتب على ذلك من تحقيق العدل والإنصاف، كما يرى الدكتور فوزي.
وحول ذلك يدلل مدير إدارة الطب الوقائي بوقائع مختلفة، منها أنه في إحدى المرات توفيت خادمة آسيوية فجأة وذلك بعد بضعة أيام من وصولها إلى منزل مخدومها، وبعد الاستفسار من زميلتها وبتشريح الجثمان تبين أن سبب الوفاة تمزق المعدة بسبب النهم وكثرة الأكل وشرب كميات كبيرة من المياه الغازية.
وهنالك شخص انتحر عن طريق ذبح نفسه، وكان منظر الغرفة يوحي بأنها جريمة قتل خاصة وأنه كان قد ألحق بنفسه عدداً كبيراً من الجروح غير القاتلة في مواضع مختلفة من جسمه، ولكن طبيعة الجروح والظروف المحيطة أثبتت خلاف ذلك. وفي مرة أخرى قُتل شخص خنقاً بواسطة حبل ثم عُلّق جثمانه ليبدو الأمر وكأنه انتحار، ولكن طبيعة الإصابات على العنق وأمور أخرى جعلته كطبيب شرعي يجزم بالكيفية الحقيقية للوفاة، وتمكن رجال التحريات من القبض على الجناة.
وفي إحدى الحالات عُثر على رجل ميت في صندوق سيارة، وتبين أنه أغلق على نفسه صندوق سيارته وذبح نفسه فمات في الصندوق. من البديهي أن تستوعب كل مهنة مفارقات وجماليات وصعوبات محددة، وأن تحفظ لأصحابها مواقف متباينة، وفي جانب الطب الشرعي تبدو طرائف أكثر حضوراً، وذات مرة التقى الدكتور فوزي بشخص عن طريق الصدفة، فقال له الأخير: يجب أن تفخر بأنك طبيب شرعي، فسأله لماذا؟
أجاب: لأن كلمة شرعي لا تأتي مقترنة بمهنة إلا في ثلاثة مواضع: قاضٍ شرعي ومأذون شرعي وطبيب شرعي!.. وإلى هذه اللحظة لم يتوصل الدكتور فوزي إلى اكتشاف علة الفخر الكامنة في ذلك الاقتران.
ميت يضرب طبيباً ورجل أمن يخشى فتح صندوق السيارة
الدكتور فوزي بن عمران مدير إدارة الطب الشرعي بالقيادة العامة لشرطة دبي يشعر بالرضا عن مهنته في مواضع كثيرة.. عندما يقوم بعمله على الوجه الأكمل، وعندما يقدم خدمة للعدالة، وعندما يتوصل إلى سبب الموت في الوفيات الغامضة، وعندما يدرس طلبته وعندما يتفوقون، وعندما يلتقي أحد طلبته وقد أصبح طبيباً. وفيما يخص ردود أفعال الآخرين حول واقع هذه المهنة، أضاف بن عمران أنها تعتمد على ثقافة الآخرين ومدى إلمامهم بطبيعة عمل الطبيب الشرعي.
حيث إن الكثيرين يتوهمون أو يتخيلون أشياء غير حقيقية عن هذا العمل، فخلال عمله في ليبيا كان يسافر في رحلات عمل إلى مدن بعيدة عن بنغازي حيث مقر عمله، وكان يحمل أدوات التشريح في حقيبة خاصة، وفي إحدى المرات استوقفه رجل أمن في نقطة تفتيش، وطلب منه فتح الصندوق الخلفي للسيارة، ثم طلب فتح حقيبة المعدات .
وهو لا يعرف ماهيتها، فأجابه الدكتور: لا أفتح هذه الحقيبة دون أن أرتدي قفازات وملابس واقية لأن بداخلها أدوات غير معقمة، فسأله أي أدوات؟ فأخبره بخصوصيات التشريح، وعلى الفور ابتعد رجل الأمن عن السيارة وفي عينيه نظرة خوف صريحة.
رجل الأمن كان ضحية ذلك الموقف، أما الدكتور فوزي بن عمران فيسجل في ذاكرته موقفاً آخر مرعباً كان هو ضحيته، وهو يقول: كنت مع مساعدي في مشرحة بأحد المستشفيات في ليبيا، وقد وضعنا جثمان أحد الأشخاص وجد مقتولاً على منضدة التشريح وكانت يداه على بطنه.
وبينما كنت أرتدي الملابس الواقية وكان مساعدي في الخارج يحضر بعض المعدات من صيدلية المستشفى انقطع التيار الكهربائي وخيم الظلام الدامس على الغرفة، بطبيعة الحال أردت أن أخرج فتوجهت بالحدس إلى موضع الباب الذي كانت تفصلني عنه منضدة التشريح، وبمجرد أن اقتربت من المنضدة تلقيت ضربة على ساقي اليمنى.. أصابني الفزع للوهلة الأولى، لكني سرعان ما استنتجت أن يد الميت انزلقت من فوق بطنه وارتطمت بي.. الطريف أن المصادفة جعلتني أكون في المكان المناسب في التوقيت المناسب كي ترتطم اليد برجلي.
دبي ـ عنان كتانة

