ذكرت في الجزء السابق أني تعرضت لوضع صحي خطير أدخلني في غيبوبة الموت، ولعله ما يسمى في قانون الطب بالموت السريري. وذكرت أن هذه التجربة الغريبة والفريدة في الواقع التي أوصلتني إلى ربما البرزخ ثم العودة منه بقدرة الله سبحانه ومشيئته قد غيرت حياتي بشكل كلي، وغيرت طريقة تفكيري فقد تخلصت من القلق على الغد، وعلى ضيق ذات اليد. وأصبحت أي مشكلة أتعرض لها يتيسر حلها بطرق لا دخل لي فيها.
وهكذا بدأت أتعرض لتجارب ومواقف تتسم هي الأخرى بالغرائبية التي لاتصدق. ومنها على سبيل المثال، ما حدث لي في مكة فقد كنت أؤدي مناسك العمرة مع بعض الصديقات، وكنا اعتزمنا قضاء ثلاثة أيام لنعتمر، وبمجرد الانتهاء من مناسك العمرة نعود إلى الديار. وبطبيعة الحال فإن الزائر والمسافر لابد أن يعود بالهدايا، فكنت أتبضع من أحد محلات الأواني، وكنت قد وضعت محفظتي على سطح مكتب البائع، كان المحل مكتظا بالزبائن، وكنت كلما اخترت آنية وضعتها على سطح المكتب قرب المحفظة، فكانت إحدى الزبونات تمد يدها على الأواني التي جمعتها وتتفرج عليها، فكنت أنهرها لاني قد اخترتها، وبإمكانها شراء مثلها من على الرف هناك.
ومع تزايد الازدحام، وضيقي من تصرف الزبونة تركت المحل، خاصة أننا كنا سنغادر مكة في اليوم التالي، ولدي متسع من الوقت لأعود لاحقا. في اليوم التالي احتجت لنقود لكن لم أجد المحفظة بحثت هنا وهناك فأدركت أنها مفقودة وأنها ليست في الغرفة، ولم يخطر ببالي أني نسيتها في مكان. ولكوني خشيت أن اتأخر على رفيقاتي تجاهلت المحفظة واستخلفت الله فيها.
أخبرت صديقاتي عن فقدانها فقلقن فهي تحتوي على البطاقات المصرفية والهوية والبطاقات الرسمية، لكني لم أقلق مثلهن، على الرغم أني لم أعرف ما افعل ولا أين يجب أن ابحث ولا من أسأل، فلم أجهد ذهني بتفكير غير مجد لن يجلب لي سوى القلق والجمود عن أي عمل آخر، وتحركنا لوجهتنا حيث كنا قد اتفقنا.
ما حصل بعد ذلك هو الغريب، فقد رن هاتفي المتحرك من رقم احد أقربائي في دبي، ولكون هذا القريب منقطعا عن التواصل معي لما يزيد عن عام، فلم أرغب بالحديث معه وأن اعاتبه عليه وأغلقت الهاتف. لكنه كرر الاتصال مجددا، فتجاهلت الرد مرة ثانية. بعد ذلك ورد اتصال من دبي هذه المرة أجبت، فكان هو ليسألني التالي: هل تبحثين عن محفظتك؟
صدمني فعلا بسؤاله، وحين استفسرت كيف عرف بفقداني المحفظة، قال جاءنا اتصال من السعودية واخبرنا رجل انه من محل الأواني كذا وانك نسيت محفظتك في المحل.
كيف حدث ذلك، قال صاحب المحل: حين عثرت على المحفظة بحثت فيها عن رقم هاتفك، لكني لم أجد سوى بطاقات عليها اسمك، إلا إني وجدت في قعر المحفظة ورقة صغيرة وتبدو قديمة مكتوبا عليها رقم في دبي، فقمت بالاتصال به، فأخبرت الرجل أني عثرت على محفظة فلانة الفلانية، وطلبت أن يخبرك لتعودي لاستلامها.
وهكذا عادت محفظتي لكن كيف تم التخطيط والتدبير بين مكة ودبي لاستعيد الضيعة، هذه كلها تدابير الله سبحانه وحده، ووحده العالم والقادر على تخطيط الأمور كلها، ومثل هذا الموقف تتكرر مواقف مما جعلني حقا اتخلص من القلق على الغد إلى الأبد، وأتكل على الله ولم أعد أفكر فيما حدث أو ما سيحدث من بعد العودة من تجربة الموت.
أم عبد الله ـ العين
