تكنى بأم عبدالله، وتفتخر ككثيرات من سيدات هذا الوطن بأنها من صنع المعاناة.

مجبولة على الفطرة والطيب القروي الخام الذي لم تصل إليه بعد يد العبث العصرية، ما زالت تتحلى بشيم الجود وبساطة الانخراط مع الناس وتبني مشكلاتهم بعفوية وبساطة.

تقول تحملت المسؤولية في عمر مبكر، وأنجبت الأولاد والبنات، ثم بعد فترة وجيزة وجدت أني وحدي مسؤولة عن تربيتهم في ظل والد لا يلقي بالا لأولوياته الأسرية ومسؤولياته التربوية.

وهكذا بدأت تشاكسني الظروف، وكثيرا ما تضيق على الخناق، لكني لم أكن أستسلم لمشاكساتها المرهقة، ولم أكن أبدي استياء طالما وضعت في دائرة المساءلة، بيد أن النفس تختزن، والقلب يراكم ويصمت على الآلام، حتى لا يضعف فينكسر، وتتبدد حبات عقد الأولاد من حولي نحو المجهول.

وكابدت تأمين مستلزمات الأولاد المتزايدة، إلى جانب الالتحاق بالجامعة حتى أتمكن من تحسين الدخل وإيفاء المتطلبات.

لا شك كانت معركتي مع ظروف الحياة طويلة وشاقة، ولم تكن سهلة أبدا، بل ولم تكن آمنة. وككثير من الناس على وجه البسيطة تعرضت لمخاطر مختلفة ومتفاوتة، كان الله لي منجدا وحافظا منها كلها.

لكن التجربة الأخطر وربما الأعظم، والتي أجزم أنها لا تتحقق لكثير، فهي من التجارب التي قد لا تتكرر مطلقا، وهي ما أعتبرها المنعطف الحاد الأكبر بل والغريب في حياتي وطريقة تفكيري.

ففي حملي الأخير بصغرى بناتي، تعرضت لمضاعفات صحية خطيرة على حياتي، وضعتني في غيبوبة وأوصلتني إلى مشارف الموت، وقد يئسوا من استفاقتي فعلا، وأشهد بالله أن ما سأسرده هو ما حصل فعلاً، وهو ما ترتب عليه بعد ذلك كل متغيرات حياتي، وكل ما بدأ يحدث فيها من مواقف وتجارب تدعو للغرابة حتى اليوم.

فقبل أن أتعرض لتلك الغيبوبة بستة أشهر تقريبا كان الموت قد غيب فتاة من بنات الحي، كانت في الخامسة أو السادسة عشرة من عمرها فقط، تدعى هدى، وجميعنا حزنا على فقدها وشاطرنا والديها المصاب.

أذكر ذلك لأن لذلك علاقة وثيقة بالتجربة، حيث وأنا على سرير المشفى مستغرقة في الغيبوبة العميقة، ومحاطة بالأطباء والممرضات في محاولاتهم المضنية القلقة المتواصلة واليائسة لإسعافي وإفاقتي، محاولات بدت كسباق ربما مع الموت إن جاز التعبير.

أثناء ذلك رأيت كما لو كان حلما كانت فيه الفتاة هدى تلك المتوفاة من أشهر تتجه نحوي وتبسم مندهشة، ثم فجأة توقفت وعبست في وجهي بقلق واضح على محياها، وأخذت تشير لي باضطراب بظاهر كفيها أن عودي.. عودي أو ابتعدي، ولم تتوقف كفيها عن الإشارة إلى بعدم الاقتراب منها، بينما أنا كنت سعيدة بمرآها، وأحاول الاندفاع نحوها مستبشرة بأنها بخير وأنها على قيد الحياة.

وأنا في تلك الحيرة بين التقدم والتراجع، غائبة عن الحياة الدنيا وما يحدث من حولي في الواقع، وعن كل ما يقوم به المسعفون لإنقاذي، حتى حدث ما يشبه المعجزة أمام الأطباء، عبروا عنه بصيحة النجاح في إنعاش قلبي واستعادة نبضي، ثم وعي التدريجي وهكذا عدت إلى الحياة وكتب الله لي عمراً آخر.

وللحدث بقية وهو ما سأستكمله في الجزء الثاني، وفيه سأكشف عن تجربة حدثت معي كنتيجة للتحول الذي طرأ على طريقة تفكيري وحياتي بشكل لا إرادي، مما جعل ما يحدث لي بعد ذلك يتسم بالغرابة.

أم عبدالله ـ العين