ما زالت سلام تتمتع بحسها الطفولي رغم سنوات التعب التي مرت فيها، فهي لم تدرك أن عش الزوجية الذي دخلته في سن مبكرة سيؤدي بها إلى دهاليز التعب والمعاناة.

في الصفحة الأولى من دفترها الصغير الذي حمل بين طياته خربشات طفولية، كتبت سلام: «.. لم أكن أدرك بأن القدر سيخطف طفولتي في يوم ما، وإنني سأصبح أما بعمر الرابعة عشرة، حينها ظننت أن الحياة ستكون متعة رغم ما فيها من مسؤولية، في ذلك اليوم خرجت من بيت والدي إلى عش الزوجية حاملة في جعبتي أحلاما كثيرة طالما راودتني كلما أسدل الليل ستاره».

«لم يأت على حصانه الأبيض كما حلمت يوما، إنما كان عاديا، اضطررت للموافقة عليه مجبرة دون أن افهم، حاولت أن اسأل ولكن الإجابات كانت تائهة بين الجميع، لم يكن بيدي قرار في ذلك الوقت، وقد أبهرتني بهرجة العرس»..

في يومي الأول، استيقظت على إيقاع مختلف، وبين جدران مختلفة لم أعتد عليها، في البداية ظننت أن ذلك جزء من الحلم ولكنه لم يكن كذلك في الواقع، في ذلك اليوم وجدت نفسي على طريق جديدة، لا أعرف ما فيها من حفر أو صخور، ولا أدري إن كان سهلا أم لا، ولكن قررت الاستمرار بصمت على أمل أن تفاجأني الأيام بأحداث مثيرة.

انقضى أسبوعي الأول في بيت زوجي أو بالأصح في غرفة زوجي التي كانت تمثل جزءا من بيت والده، حاولت خلاله أن أستوعب ما يجري حولي، وظننت أن بإمكاني زيارة بيت والدي في أي وقت، ولكنه كان لي بالمرصاد، ظننت أن ذلك سيكون سحابة وستمضي بعد أيام، ولكنها استمرت على حالها لأفتح عيني كل صباح على معاناة جديدة وعلى اكتشاف جديد في شخصية زوجي الذي لم أتمكن من تفحصه جيدا خلال فترة الخطوبة التي امتازت بقصرها، وقد استطاع خلالها أن يبدو أمامي كملاك رحيم.

حاولت أن أفضفض لأمي بعضا مما أراه وأعيشه في كل يوم، لتقابلني برد يوصيني بضرورة التحمل وأنها فترة يمر فيها كل زوجين وما تلبث أن تنتهي. صبرت وكتمت في صدري، حتى لا يظنوا بأني أتقصد افتعال المشاكل. كنت أواسي نفسي بالقول «نيال من بات مظلوم»، ولم تلبث أن بدأت أحشائي تتحرك لتنبت فيها زهرة صغيرة، وهو الخبر الذي ادخل عليّ السرور، كبر الجنين في بطني وحاولت أن أعتني به قدر الإمكان حتى لا أفقده، وفي يوم الميلاد كان الضيف بنتا، وهو ما لم يعجب الأب والجد والجدة الذين كانوا يتطلعون إلى الولد، على اعتبار انه سيحمل الاسم فيما بعد، وانه سيكون سندا لهم في كبرهم.

دافعت عن ابنتي بأن أسميتها «سنابل» حتى تملأ بحبوبها ارض البيت، ولم يكد عود سنابل يشتد حتى أطلت أختها من رحمي حاملة معها معاناة جديدة، مما صعب طريقي.

كبرت سنابل ووردة في كنفي ليعيشا بعضا من معاناتي وليستقبلا معي أخيهم الصغير حينها كنت قد وصلت إلى حدود الانفجار، وهو ما جعلني أطلب الطلاق وقد نجحت في ذلك لتبدأ بعدها معركة الحضانة التي كسبتها لأعيش مع أبنائي بعيدا عن ذلك الزوج، في محاولة لتنشئتهم في بيئة جيدة، وها هي سنابل قد أزهرت وبدأت بالحصاد، وما زلت أنتظر حصاد ما زرعته في يوم ما.

غسان خروب