يتناول كتاب «الطريق إلى الله» لفضيلة الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية، سلسلة دروس ألقاها فضيلة الشيخ، بيّن فيها معالم الطريق إلى الله تعالى، وكيفية تخطي العقبات التي تقابل المسلم وتبصيره بالآفات التي قد تلحقه أثناء سيره، وكيفية التخلص منها.
فيحدثنا المؤلف عن مراتب النفس البشرية، قائلا: تمر النفس البشرية بسبع مراحل، المرحلة الأولى: هي النفس الأمارة بالسوء، والثانية: هي النفس اللوامة.. التي تلوم صاحبها على فعل المعصية، أو على تخلفه عن الكمال، والثالثة: النفس الملهمة، والرابعة: النفس الراضية، والخامسة: النفس المرضية، والسادسة: النفس المطمئنة، والسابعة: النفس الكاملة.
وأول ما يستهل به المؤلف كتابه، حديث جبريل المشهور، الذي اشتمل على معالم الدين الكبرى، والذي أخرجه الأئمة الكبار، واهتموا به، وجعلوه من الأحاديث التي توضح دين الله، وفي آخره يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».
ويضيف.. ثم بعد ذلك بقي جوهر الدين وأساسه، وهو التزكية، أو هو مرتبة الإحسان فالتفت إليها الناس، وكما أن العقيدة حفظت بعلم التوحيد، وبدأ الناس يصنفون ويراقبون أنفسهم في طريق الله، وفيه يسير العبد إلى الله ويعبده كأنه يراه.
ويذكر الدكتور علي جمعة أن أول قاعدة عند السالكين إلى الله هي «الله مقصودنا» وهي من العبارات البليغة، التي تكوِّن أسس الطريق وأصوله، وهذا هو الذي تسأل عنه في مستهل سلوكك إلى الله، تسألهم: ما المقصود؟ فيردون ويقولون «الله».. وقد يعرف السائل المقصود والمعنى الذي يقصده؟ لكنه لا يراه، لأنه مستغرق مع الله يذكر ربه، أنا أسأله عن معنى الكلام؟ أو عما يعني؟ وهذا هو حال كبار الشيوخ، ومن هنا قالوا «الله مقصود الكل» أي أن كل الزهاد والعلماء كان مقصودهم هو الله سبحانه وتعالى.
ومن قواعد الطريق إلى الله انه إذا كنا في طريق وأردنا أن نصل إلى نهايته، فعلينا أن نسعى ونسير فيه دون أن نلتفت يسارًا أو يمينًا، فإن العمر يضيع في هذه الالتفاتات، والأعمار تتفاوت، والزمن كالسيف إن لم تقطعه قطعك؛ قال الإمام الشافعي: «سرت مع النساك فاستفدت منهم أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك».
وهذا أصل كبير من أصول الأدب مع الله، ومن هنا وجب أن يكون العمل خالصًا لله، لا ألتفت إلى الأنوار، ولا إلى الأسرار، ولا إلى الملك ولا إلى الملكوت، ولا إلى التجليات، ولا إلى غير ذلك، إنما المقصود هو الله سبحانه وتعالى.
ويرى المؤلف ضرورة وجود الشيخ المربي في طريق السير إلى الله؛ لأنه هو الذي يوجه العابد إذا ما أخطأ ليعود مرة ثانية إلى الطريق، لذلك أسموه بالشيخ «المرشد»، وهو من يعلم الطريق ويعلم الإغراءات التي حوله، ويعلم كيف يتجنبها السالك، ويعلم كيف ينصح؟ وكيف يكون الأدب مع الله؛ لأن الأدب مع الله هو الركن الركين في الطريق.
ويذكر في باب «السير إلى الله يزول معه التكلف ولكنه لا يسقط التكليف أبدًا»، فيقول: بعد ذلك - وهم يسيرون في الطريق إلى الله ؟ وصلوا إلى مرحلة أنهم لم تعد هناك مشقة في أفعالهم، في بداية سلوكهم كان أحدهم يقوم الليل تعبدًا وذكرًا فيجد مشقة، ثم هو يجد نفسه بعد ذلك يتلذذ بذلك القيام، وتطيب له تلك اللذة التي كانت تؤذيه من قبل، ويسعى إليها، وأنه يسعى إلى شيء محبب إلى نفسه، فزال عنه التكلف الذي هو المشقة والاشتغال للعبادة، فعبر عن ذلك، وقال: «أنا الآن لا أجد التكلف لله»؛ فالسالك الصادق يصل إلى حال لا يمل معه، بل يجد أنه كلما تعبد وصلى علا قلبه مع الله تعالى، ورجاه ورغب فيما عنده، ويمتلئ قلبه بمعانٍ شريفة، مغايرة للمشقة والتعب وغير ذلك مما يجاهده عوام الناس.
ويضيف: ومن يسعون في هذا الطريق وجدوا أنه قد يفتح على العبد في لحظة بما لا يفتح على الآخر، فقالوا: «إن العبرة بمن صدق، وليست العبرة بمن سبق» بمعنى أن اللاحق المتأخر الذي تقاعد زمنًا عن سلوك الطريق لعله أن تنهض همته، فيقبل على الله بهمة، يسبق بها من سار قبله، فلعل الله أخَّره ليقدِّمه، أي أن الله عز وجل آخر زمانًا وجعله في آخر السالكين لحكمة، حتى يكون أمامهم وسابقهم.
واستأنسوا لذلك بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان آخر الأنبياء فكان أمامهم، وهذا المعنى مهم جدًا في تجديد الهمة، وإخراج أهل المعصية من حالة الحرج.
ويجيب فضيلة المفتي على تساؤل.. ما معنى السير في طريق الله؟. بأن معناه أنه يبدأ بالتوبة، وما معنى التوبة؟ معناها أن ينخلع من المعاصي، وأن يعاهد نفسه على تركها، وأن يعطل ملك السيئات، أي يجعل ملك السيئات لا يكتب عليه شيئًا.
ولكن هذا الانخلاع له درجات، أولها: انخلاع عن المعصية هي التي يقول عنها الشرع.. إن هذا حرام، فالإنسان قرر مع نفسه ألا يفعل هذا الحرام، وهناك توبة أخرى وهي: الانخلاع من كل ما يشغل البال أو القلب عن الله.
والسالك إلى الله لا يزال إلى الآن في المرحلة الأولى من الطريق، ومن التوبة، فإنه خلى قلبه من القبيح، وحلى قلبه بالصحيح، لكن تأتي توبة أخرى بعد ذلك، في مرحلة ثانية، يتشوق فيها قلب هذا التقي النقي، الذي خلى قلبه من الشواغل والمشاغل، وخلت نفسه وجوارحه من المعصية، ثم خلى قلبه من الشوائب، ثم تحلى قلبه بتلك المعاني الفائقة الرائقة، وهو في كل ذلك يريد من الله سبحانه وتعالى أن يتجلى عليه.
ومعنى التجلي كما قال أهل العلم، التخلق بأخلاق الله، فالله تعالى رحيم، فلا بد من أن نكون رحماء مع عباد الله، والله تعالى رءوف، والله تعالى غفور فلا بد أن نكون متسامحين، نغفر للآخرين، ويصبح الإنسان في رضا عن الله.. عنده تسليم تام بقدر الله.
ويكتشف الإنسان وهو في طريقه إلى الله أن هناك أربعة أسباب تعوق سيره إلى ربه سبحانه وهي «نفسه، الشيطان، الهوى، والدنيا»، وهذه الأعداء إنما كانت أعداء لنبي الله آدم، لأنها حاولت أن تصده عن سبيل الله وأن تجذبه إليها، وحاولت أن تجعله يخرج عن الصراط المستقيم، وعن الطريق القويم، الذي هو أقصر طريق يصل به العابر إلى ربه، فهذه الأمور الأربعة تعكر على الإنسان صفو توجهه إلى الله سبحانه وتعالى، وفي الحقيقة إن أشد هذه الأعداء هي «النفس»، لأن الدنيا قد يكون وقد لا تكون، والشيطان يذهب ويجيء، والهوى يأتي ويذهب، لكن النفس هي التي تصاحب الإنسان من الإدراك إلى الممات.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
المؤلف:
* د.علي جمعة ـ مفتي الديار المصرية.
* ولد بمحافظة بني سويف بمصر في 3 مارس 1952.
* حاصل على دكتوراه في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر 1988.
* المناصب التي شغلها:
* مفتي جمهورية مصر العربية منذ العام 2003 وحتى الآن.
* عضو مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف منذ العام 2004 وحتى الآن.
* من مؤلفاته:
«علاقة أصول الفقه بالفلسفة»، «آليات الاجتهاد»، «الإمام الشافعي ومدرسته الفقهية»، وغيرها من المؤلفات الدينية
