يقول الله تعالى على لسان لقمان الحكيم: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير).
ويقول الفخر الرازي: لما قال (فأنبئكم بما كنتم تعلمون) وقع لابنه أن ما يفعل في خفية يخفى فقال تعالى: (يا بني إنها) أي الحسنة والسيئة إن كانت في الصغر مثل حبة خردل وتكون مع ذلك الصغر في موضع كالصخرة ؟ لا تخفى على الله وفيه مسائل:المسألة الأولى، قوله تعالى: «فتكن في صخرة» فتكن بالفاء لإفادة الاجتماع يعنى إن كانت صغيرة ومع صغرها تكون خفية في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله لأن الفاء للاتصال بالتعقيب (المسألة الثانية) لو قيل: الصخرة لابد من أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟ ولأن القائل لو قال: هذا رجل أو امرأة أو ابن عمرو لا يصح هذا الكلام لكون ابن عمرو داخلاً في أحد القسمين فكيف يفهم هذا؟
فتقول: الجواب عنه من أوجه أحدها: ما قاله بعض المفسرين وهو أن المراد بالصخرة صخرة عليها الثور وهى لا في الأرض ولا في السماء الثاني: ما قاله الزمخشري وهو أن فيه إضماراً تقديره فتكن في صخرة أو في موضوع آخر في السموات أو في الأرض الثالث: أن تقول تقديم الخاص وتأخير العام في مثل هذا القسم جائز وتقديم العام وتأخير الخاص غير جائز.
وقوله تعالى: إنها إن تك مثقال حبة: إشارة إلى الصغر وقوله تعالى: فتكن في صخرة إشارة إلى الحجاب وقوله تعالى: «أو في السماوات» إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد وقوله تعالى: أو في الأرض إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن.
وقوله تعالى «يأت بها الله» ابلغ من قول القائل يعلمها الله لأن من يظهر له الشيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره فقوله تعالى (يأت بها الله) أي يظهرها الله للإشهاد وقوله تعالى: «إن الله لطيف» أي نافذ القدرة وقوله تعالى: «خبير» أي عالم ببواطن الأمور.
فقوله تعالى (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين).
والذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء يقتضى أن يكون عليماً سميعاً بصيراً لطيفاً خبيراً قادراً مقتدراً.
ليس لعلمه ولا لسمعه ولا لبصره أو لطفه وخبرته وقدرته حدود وهذه الصفات لا تكون إلا لله تعالى وحده، فهو وحده الخالق وهو وحده العليم بما خلق.
رجاء علي