قال الشيخ: مما يجعل العقل البشري قاصراً عن إدراك أسرار وحكم بعض الابتلاءات أن الواحد منا لا ينظر إلا إلى نفسه وما ترومه وتشتهيه حسبما يقدر ؟هو- أن نفعه فيه، وكم من باب نطرق فإذا انفتح ولجنا عبره إلى عوالم من الجحيم، وكم من طرق تبدو لنا ممهدة إلى المسّرات والخيرات فإذا بها توقعنا في وديانٍ من الخسارة والضيق والحسرة.

ولو كان الإنسان قادراً على أن يخرج خارج الزمان والمكان ليقف متفرجاً على حركته وحركة من حوله بل وحركة من على الأرض جميعاً لعلم أن التفويض لله والتسليم لأمره والرضى بقضائه خير من محاولات التدبير التي لا تغير في الأمور شيئاً.

أقول هذا لأصل إلى سر آخر من أسرار الابتلاء قد نغفل عنه في كثير من الأحيان، مع أن الحق سبحانه وتعالى قد ضرب لنا الأمثال فيه وعنه في القرآن الكريم كثيراً، بل إننا نرى هذه الأمثال حية واقعة في حياتنا الدنيا بين الحين والآخر ومع ذلك تعمى عيوننا عن هذا السر لتشبثنا كالأطفال بالمنافع القريبة والمظاهر الغثة الفارغة.

فإن كان ما يصيب المؤمن من بلاء هو أقل على وجه العموم مما يصيب الكافر والفاجر لأن الحق سبحانه وتعالى قد أخذ على نفسه أن يدافع عن الذين آمنوا فإن ما يصيب الكافر أو الفاجر وحتى المنافق من منافع وعزة ونصر وجاهٍ وظهور هو دون ما يصيب المؤمن الذي صلح إيمانه وكان أقرب إلى التقوى، بل زد على ذلك، أن الحق سبحانه وتعالى كثيراً ما يبطن النعمة بالنقمة والعطاء بالمنع والمدد بالحرمان والعزة بالمهانة والظهور بالانكسار لكل من طغى وتجبر أو حاد عن طريق الهداية والتقوى.

يقول الحسن البصري رحمه الله: إنهم وإن هملجت ـ تبخترت أو مشت مشية خيلاء ـ بهم البراذين (الخيل التركية) وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. لقد ظهر أمر قارون حتى فُتن الناس به ثم خسفت به الأرض، وقال فرعون: أنا ربكم الأعلى فابتلعه البحر ثم ألقي بجثته على الرمل ليكون آية للناس.

وقال نمرود: أنا أحيي وأميت فمات تحت ضرب الأحذية على رأسه وقد دخلت فيه ذبابة فما تركه صوتها يرتاح لحظة في ليل أو نهار، وفضل الله بني اسرائيل على العالمين فكفروا بأنعم الله وقتلوا النبيين بغير حق فضربت عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة. وأمثلة ذلك كثيرة حتى في عالم اليوم في أوروبا وأميركا في الآداب والعلاقات بين الناس.

ثم ألم تزلزل الأرض بالمرابين في العهد القريب وذابت الأموال المكومة كما تذوب جبال الجليد؟! وألا نطالع كل يوم أخبار الأمراض والآلام والخسائر والكوارث والانهيارات والانتحارات في حياة عدد كبير من نجوم السياسة والفن والأدب والرياضة ممن تحولوا إلى أصنام في عصرهم وربما في عصور بعد عصرهم، أليس كل هذا دليل على أن محنة المؤمن مهما اشتدت لا تقاس بمنحة الفاجر أو الكافر أو الفاسق بعد أن يقلبها الله عليه نقمة لا تبقي ولا تذر.

فمحنة المؤمن مع صبره ولطف محبوبه به خير ألف مرة من منحة الفاجر المهددة بالقضاء عليه وعلى من حوله في أي لحظة مع ما قد يرافق ذلك من ذلة وهوان، يقول الحق سبحانه وتعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين) آل عمران 178.

ماهر سقا أميني