إيذاء الناس بأي شكل من الأشكال منهي عنه دينياً وعرفاً وتقليداً، ولا يرضى به أحد حتى المتسبب في الأذى لا يرضاه لنفسه إذا صدر من شخص آخر فتراه متأففا وحانقا وشاتما وشاكيا لطوب الأرض من هذا الأذى الواقع عليه، ولا يدري أن من كان سببا في إيذاء الغير سيكون في نفس الموقف في يوم من الأيام أو لأيام كثيرة، وأشكال أذى الناس بعلم أو بدون علم متعددة ومتفرعة، ويجب على المسلم أن ينأى بنفسه عن ذلك السلوك، وقد نبهنا القرآن الكريم إلى هذا الأمر فقال سبحانه وتعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً» الأحزاب: 58.

كما بينت السنة عظم هذا الجرم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» أخرجه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله- أخرجه الترمذي.

نوع من الأذى تضررت منه وتضرر منه غيري بالتأكيد، ويتسبب فيه البعض وهو أذى مرتبط بصف السيارات في مواقف «باركنات» الأحياء، فتجد أحدهم وبدون أدنى مسؤولية يصف سيارته خلف سيارتك مباشرة، أو يقوم بصفها في الممر أو الطريق المخصص لعبور السيارات الداخلة والخارجة من الموقف «الباركنج»، بدون ترك مسافة كافية لدخول أو خروج السيارات، مما يشكل معاناة حقيقية لأصحابها، ومن الممكن أن يتساهل الإنسان في الموقف الأول بحكم أن صاحب السيارة يترك رقم هاتفه للاتصال به عند خروجك بسيارتك للعمل أو قضاء حاجة عاجلة أو غير عاجلة، أما الموقف الثاني فإن نتائجه السيئة لا يمكن تداركها إلا بعد جهد وتعب فتجد أن الموقف به شواغر كثيرة ولا تستطيع أن تدخل أو تخرج إلا بشق الأنفس، وفي عدم وجود مواقف قريبة فتضطر آسفا للبحث عن آخر في مكان بعيد، بسبب شخص لم يرد أن يجهد نفسه قليلا ويدخل إلى الموقف ويصف سيارته بعيدا عن مرور الناس.

ويمكن قياس هذا الفعل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فهل أعطى هذا الشخص الطريق حقها؟.

السيد الطنطاوي