لا يزال الكلام متواصلا عن أهمية البيئة في الإسلام، فديننا الحنيف سبق جميع الدول في بيان أهمية البيئة ووجوب المحافظة عليها، ومن أنواع البيئة التي اهتم الإسلام بها البيئة النباتية، وكثيرا ما نسمع عن أهمية التشجير وأنه رئة المدينة التي تخرج لنا الأكسجين النقي الذي يتنفس به الإنسان، فنجد أن ديننا الإسلامي قد أمر بالمحافظة على النبات، ودعا إلى غرس الأشجار وعدم قلعها، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم زرع الشجر والتشجير من أسباب الأجر والثواب، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة). متفق عليه.

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدم قطع الأشجار حتى في الحروب، بل جعل الله ذلك من الفساد في الأرض، فقال جل وعلا: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد). ومن أنواع البيئة التي اهتم بها الإسلام أيضاً البيئة الحيوانية، فالحيوان جزء من هذه البيئة التي نعيش فيها، والإنسان مسؤول عن حمايته ورعايته والانتفاع به في الحدود الشرعية، والإسلام قد وضع القواعد والضوابط والنظم لحماية الثروة الحيوانية وكذلك النباتية عندما حرم على الحجاج الصيد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)، وقال صلى الله عليه وسلم عن البلد الحرام: (إن هذا البلد الحرام حرام لا يعضد شوكه (أي لا يقطع)، ولا ينفر صيده، ولا يختلى خلاه (أي لا يقطع نباته الرطب))، فيحرم على الحاج المحرم الصيد، ويحرم عليه إزعاج الحيوان، ويحرم عليه أن يقطع الشجر. حتى يتربى المسلمون على المحافظة على البيئة النباتية والحيوانية إذا أراد المسلم أن يصل إلى الكمال الإنساني.

ومن أنواع البيئة التي اهتم بها الإسلام أيضاً البيئة الأرضية، فقد حث الإسلام على نظافة الأرض، فبين فضل تنظيف الأرض والطرقات من القاذورات: فعن أبي برزة الأسلمي قال: قلت يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الله به الجنة، فقال: (أمط الأذى عن الطريق)، رواه مسلم، بل لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد ما يؤذي الناس في طرقاتهم من شعب الإيمان، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلويث البيئة، فنهى عن البصاق على الأرض، ونهى عن البول في الطرقات أو تحت الأشجار أو في المياه، ليكون المسلم نظيفاً في كل شيء: في عقيدته، في معاملته، وفي البيئة والمحيط الذي يعيش فيه.

وإن من القواعد الشرعية المهمة في موضوع البيئة قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار)، وهذه القاعدة لها تطبيقات واسعة في النهي عن تلويث البيئة وتوسيخها وإفسادها، فالضرر ما فيه منفعة لجهة، ومضرة لجهة أخرى، كالصيد الذي يتسبب في انقراض أو نقصان حيوان البر والبحر، فمن حماية البيئة الحيوانية منع صيد الأسماك والطيور والحيوانات في فصول تكاثرها، والضرار هو ما ليس فيه منفعة لأحد، كرمي النفايات ورمي السموم الضارة بالبحار والوديان وبأسماكها وإتلاف الأشجار وقطعها وإتلاف النباتات في الحدائق وغيرها.

ولكن هناك لفتة مهمة قد يغفل الناس عنها وهي أن من أعظم أسباب المحافظة على البيئة والكون الذي نعيش فيه هو الاستقامة على أمر الله تعالى، وذلك بأن نعمل بالقرآن والسنة في جميع شؤوننا وأحوالنا، وأن لا نفسد الأرض بالمعاصي والذنوب، والانحراف عن منهج الله ورسوله، فهذا أعظم فساد في هذه الأرض، وبسبب المعاصي والذنوب يقع الاضطراب في الكون بإمساك الله للمطر الذي به قوام الحياة، قال تعالى: (وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولن يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء)، رواه ابن ماجه.

وبين الله تعالى أنه ما من فساد يقع في هذه الأرض إلا بسبب ما كسبته أيدي الناس، قال الله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)، بل إن الحوادث الأرضية والزلازل المدوية سببها ما يقترفه الناس من قتل وإفساد وهي من علامات الساعة التي تؤذن بذهاب الدنيا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل)، رواه البخاري.

عادل حسن المرزوقي - رئيس قسم شؤون الحج والعمرة بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي