في الثاني من نوفمبر من كل عام تمر ذكرى رحيل القائد المؤسس لدولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ففي مثل هذا اليوم قبل 5 سنوات حزنت الإمارات ومعها شعوب عربية وصديقة، كما لم تحزن من قبل لفقد قائد وزعيم قلّما تجود به الأزمان، دانت له الحكمة، وشهدت له المعمورة لحنكته وعزيمته ورحمته التي غمرت البشر والشجر والطير، كان الشعور باليتم غامرا قلوب أبناء الإمارات العامرة أفئدتهم بذكرى زايد الأب والقائد والإنسان.
ومهما توالت الأيام على فقده الغالي، تتوالى الذكرى العطرة لرجل فذ عال في المقام، عطر حياة أجيال بأسرها في هذا الوطن الغالي بالنهج الحميد الذي اختطه ووضع مداميك الأساس المتين لإمارات الخير والمحبة، أرض تحولت في غضون سنوات قليلة واحة وارفة الظلال للأمن والأمان، وموطناً للعيش الكريم والرغيد لأبنائها والمقيمين على أرضها، وغدت مضربا للأمثال في كيفية بناء البلدان بالعزيمة والإخلاص وفي تلك اللحظات المفصلية التقط راية مواصلة المسيرة، خير خلف لخير سلف صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بقيادته اطمأنت القلوب على مواصلة درب الخير والعطاء، وفي هذا المقام، والقلوب تترع وفاء لرجل الوفاء، نسأل الله لزايد الرحمة، وان يحفظ خليفة وإخوانه «عيال زايد» صمام أمان المسيرة.
لقد فقدت الأمة العربية برحيل الشيخ زايد واحدا من رجالاتها الكبار، وأحد القادة القوميين الذي نذر نفسه لوطنه ولأمته، وكان رجل الوحدة بلا منازع، فقد أثمرت رؤيته لمستقبل بلاده عن أهم مشروع وحدوي عربي في التاريخ المعاصر، بل كان مشروعه هو المشروع العربي الوحيد الذي ثبت في وجه الأعاصير التي تعصف بالأمة العربية والإسلامية في الوقت الراهن، ومنذ أن خرج اتحاد الإمارات العربية إلى الوجود عام 1971.
طفولته... وبداياته
لم يولد الشيخ زايد بن سلطان وفي فمه ملعقة من ذهب! ولم يتعود جسده ملمس ونعومة الحرير.لقد فتح زايد عينه على قومه، وقد نالت منهم سنوات الحرمان والقهر، وبدأت شخصيته كزعيم تتكون وسط هذا المجتمع الذي حرم من كل شيء الا الكرامة والآباء..
وفي السنوات المبكرة من حياة زايد.. كانت سورة «الفاتحه» هي أول ما تناهى إلى سمعه..كان لا يزال طفلا صغيرا، يمرح ويركض في رحاب قصر الحصن مقر الحكم، هذه هي البداية التي ثبتت في أعماق زايد ميزان العدل.. وأودعت في قلبه ينبوع الرحمة، وعندما كان أبناء القبائل يحضرون إلى مجلس الشيخ سلطان والده، كان زايد يراقب والده في المجلس وينصت إلى حديثه مع الناس. ويتعلم طريقته وهو يحل المشاكل ويساعد المعوزين، أحب زايد الصقور والصيد وركوب الخيل العربية والجمال، حتى ذاعت شهرته فيما بعد كأحسن فارس، وكانت هذه هي أهم الهوايات التي أولع بها وما زال، ثم انتقل زايد إلى مدينة العين وفيها أمضى السنوات الأولى من شبابه.. يقول الذين عاشوا هذه الفترة من حياته :-
كان الصبي يصعد إلى جبل حفيت على مشارف مدينة العين وينجح في قنص الغزلان بفضل إجادته استخدام البنادق، ولم يكن هناك ما يمنعه عن الوصول إلى الهدف.وعندما أصبح زايد يافعا، كان قد تعلم مبادئ الحرب والقتال بين البدو، يتصف بالشجاعة، ويقاتل للشرف لا للمغنم، ويبذل دمه رخيصا دفاعا عن أرضه ضد أي اعتداء أو غزو.وفي عام 1946 م أصبح زايد في العين حاكماً، ليس بينه وبين شعبه حجاب فهم جميعا يستطيعون الذهاب إليه ويقولون ما عندهم ويأكلون مما يأكل ما أدى إلى أن تحولت العين على يديه إلى جنة خضراء.
حكمه لأبوظبي
كان السادس من أغسطس 1966 م الموعد الذي ضربه القدر لهذه المنطقة كلها وما حولها مع الشيخ زايد الذي قال منذ اللحظة الأولى: إذا كان الله عز وجل قد منّ علينا بالثروة، فإن أول ما نلتزم به لرضاء الله وشكره هو أن نوجه هذه الثروة لإصلاح البلاد ولسوق الخير إلى شعبها.
ولقد كانت فرحة الشعب بزايد منذ اللحظة الأولى فرحة جماعية بكل معنى الكلمة تحمل في مخبرها كما حملت في مظهرها صورة الاستفتاء العام. ومقومات البيعة الكاملة، لكن هذا كله لم يكن يعني بالنسبة لزايد ما يمكن أن يعنيه بالنسبة لأي حاكم آخر. وكان سموه يقول: إذا كنا اليوم بلا تنظيم أو بلا قاعدة فان كل شيء سيتطور، وعندما سئل فيما بعد عن الطريقة التي تمكن بها من تنفيذ برامجه المتعددة الجوانب خلال الأيام الأولى لحكمه قال: ربما كان ضغط العمل هو الذي أبعد عني المخاوف أثناء معالجة شؤون الإمارة، كنت أواجه المشاكل بكل ارتياح وكان كل عمل حققناه يعقبه.
شعور بالرضا
وكذلك أدرك زايد أن البترول ليس هو العصا السحرية التي تحول الصحراء القاحلة إلى جنات وارفة الظلال، صحيح أن البترول قد يكون عاملا مساعدا ولكنه لا يزيد عن كونه أداة في يد القائد، وعلى هذا القائد يتوقف توجيه واستغلال هذه الثروة.
رجل التقدم والإصلاح
لقد أحس الشيخ زايد بن سلطان منذ أن تولى أمور العين وضواحيها بحاجة الشعب إلى اصلاحات كثيرة ورغبة مواطنيه في مثل الحياة الطيبة التي بدأت تدب حولهم في بلدان الخليج الأخرى، وبفكر زايد ونظرته الثاقبة عرف كيف يستغل المياه الجوفية عن طريق خطة دقيقة ذات هدفين لاستثمار هذه الموارد، الأولى عن طريق إصلاح الافلاج القديمة التي مضى عليها الدهر.. والثانية: حفر أفلاج جديدة وآبار للتوسع في زراعة الأرض، وقد بدأ زايد بحفر فلج جديد وهو فلج الصاروج وقد استغرق بناؤه ثمانية عشر عاما.. لقد أدرك الشيخ زايد أهمية العلم في تحقيق التقدم. وكان دائم القول إن العلم بصر، ونور يهدي الإنسان إلى الطريق السوي، ويقود الأمم إلى العزة والمجد.
كان زايد يريد أن يرى المدارس ومعاهد العلم تملأ المنطقة الشرقية، ورغم قلة الإمكانيات فقد بذل المستحيل حتى افتتح المدرسة النهيانية عام 1959م وكان دائم التردد عليها لتشجيع أبنائه الطلبة ومتابعة تقدمهم. لقد أقام زايد أضخم مستشفى في المنطقة. وأحدث جامعة.. وكل هذا بالعين، وأبرز ما يميز زايد انه يتجاوز الواقع مهما كان أليما ويمد بصيرته إلى المستقبل ثم يحدد خطاه في ضوء ما يراه.
وفي عام 1953 م بدأ زايد يتعرف على العالم الخارجي وكانت رحلته الأولى إلى بريطانيا وبعد هذا بدأ التعرف على غيرها من عواصم الدنيا. ومن خلال هذه الزيارات زاد اقتناعه بحاجة الإمارات إلى التقدم والإصلاح، يقول زايد وهو يروي بعض ذكرياته في تلك الفترة من حياته: كانت احلامي كثيرة وكنت أحلم بأرضنا تواكب حضارة العالم الحديث ولكني لم أستطع أن افعل شيئا كبيرا، لم يكن في يدي ما يحقق الاحلام.. ولكنني كنت واثقا من ان الاحلام سوف تتحقق في أحد الأيام، لقد شاءت ارادة الله ان تعوض أهل أبوظبي عن الايام العصيبة خيرا.
فقد نجحت أعمال التنقيب في الامارة وتدفق البترول برا وبحرا. حدث هذا بعد انتظار طال إلى 23 عاما في عام 1959 م اكتشف النفط بكميات كبيرة في حقول مربان على مسافة 70 ميلا غربي أبوظبي، أما النفط المستخرج من المناطق البحرية فقد أعطى أول امتياز للبحث عنه في عام 1953 م وتفجر لأول مرة على بعد عشرين ميلا من جزيرة داس في سبتمبر 1958م وتم تصديره في الثالث من يوليو.
1962م، ومن هنا بدأت مسيرة التطور والبناء والعطاء بقيادة القائد الوالد زايد بن سلطان آل نهيان حفظه الله.
زايد والاتحاد
في 18 يوليو سنة 1971 م اجتمع حكام الإمارات العربية السبع لإجراء مباحثات تستهدف إيجاد شكل متين للتعاون فيما بينهم تحقيقا لمعنى التكامل فيما بينهم وبحثا عن الأمن والاستقرار في هذا الجزء من العالم.
وأهاب زايد بإخوانه الحكام أن يبدأوا مباحثات من أجل تحقيق الأمل الذي يضع شعب الخليج في أعناقهم وقال لهم: هذه فرصة هيأها الله سبحانه وتعالى لنا، فرصة وجودنا اليوم في مكان واحد، ان قلوبنا جميعا عامرة والحمد لله بالإيمان بمبدأ الوحدة فلنجعل اذن من اجتماعنا هذا فرصة تاريخية لتحقيق أملنا المنشود.
وبدأت المباحثات واستجاب الله لدعاء ابناء الخليج، وبارك الله الجهود المخلصة والمؤمنة التي اضطلع بها زايد وإخوانه، ظهر ذلك اليوم توصل حكام الإمارات إلى القرار التاريخي وتم التوقيع على وثيقة قيام دولة اتحادية باسم «دولة الإمارات العربية المتحدة».
منذ أن بدأ الزمن يكتب تاريخ منطقة الخليج العربية وسجل التاريخ وتراث هذه الأرض يرتبط بالديمقراطية العفوية القائمة على تلاحم الأيدي والقلوب بين القيادات وبين الرعية، وكما هي التقاليد العريقة المتوارثة فان زايد لم يشذ عن هذه القاعدة فهو يستقبل كل يوم أبناءه وأشقاءه المواطنين بكل مخزون الود الذي لا ينبض، لا يغلق بابه على مدار الساعة أمامهم .
مؤكدا بذلك أن الديمقراطية في تاريخ هذه الأمة هي المعايشة اليومية الطبيعية التي لا تكليف ولا تكلف فيها بين أبناء الأسرة الواحدة، أن سياسة الباب المفتوح التي يتبعها الشيخ زايد رغم مشاغله ومسؤولياته المتزايدة لم تتغير مطلقا على مر السنين ورغم تزايد الأعباء كانت لقاءات زايد بالشعب مبدأ أساسيا من مبادئه في الحكم وديمقراطية الحكم. وديمقراطية زايد ليست شعارات، وليست مجرد نصوص في الدستور، انها ابعد من ذلك انها واقع عملي يجسده. سواء على المستوى التنفيذي أو على المستوى الشعبي.
قاهر الصحراء
في أعماق الصحراء بدأت صفحة مشرقة بإنشاء القرى الجديدة وربطها بشبكة حديثة من الطرق إلى كافة أرجاء البلاد، وزودت كل قرية بمدرستين أحدهما للبنين والأخرى للبنات، وسوق مركزية وعيادة صحية ومسجد ومكتب لخدمات الدوائر الحكومية بالاضافة إلى الماء النقي والكهرباء.
وبالنظر إلى هذا الحوار الذي اجرته الصحافية الاميركية مسز فوندا جابلونسكي صاحبة مجلة «بتروليم انتجنس» عام 1974 م نرى المنهاج الفريد الذي اتبعه الشيخ زايد لتأكيد الشخصية الحضارية لشعبه وهو يخوض عملية التحديث وأسلوبه المتميز في التنمية الاجتماعية، في البداية قالت الصحافية الاميركية: يا صاحب السمو لقد أجريت في حياتي الصحافية مئات من المقابلات.
وكان حديثي يدور عن البترول بحكم تخصصي. ولكنني في حديثي هذا أريد أن اركز على الانسان الذي يعيش اليوم على دخل البترول هنا. والسؤال الذي أطرحه على حاكم قائد مثلكم وهو يصنع تغييرا يوميا في حياة شعبه هو كيف توفقون بين هذه التغييرات المفاجئة في حياة أهل ابوظبي مع الحفاظ على العادات الاصيلة، والتراث العظيم الذي تركه لكم الاجداد، رد سموه قائلا: (لقد حرصنا منذ الحظة الاولى على وضع أسلوب يتناسب مع الحياة داخل البلاد بعد أن منّ الله علينا بالثروة. إن مئات من الخبراء والعمال يأتون الينا من الشرق والغرب وهم بالطبع من أجناس مختلفة. وحتى لا يختلط أبناء البلاد معهم في معيشتهم فقد أقمنا أحياء خاصة لعائلات المواطنين.
وأحياء اخرى للوافدين حتى تظل الروابط متينة بين المواطنين ونتجنب تفكك الاسر وهو الامر الذي تعاني منه المجتمعات الحديثة.. وأضاف زايد: انني لا أقول إن علينا أن نبتعد عن المدينة الحديثة، اننا نريد منها أشياء ونريد أن نتجنب منها أشياء اخرى.. أريد أن نستفيد منها بما هو نافع. ونبتعد عن المساويء.
نريد جيلا يحتفظ بعاداته ولا يتنكر لتقاليده الاصيلة في حدود الشريعة الاسلامية وهي حافلة بالتعاليم العظيمة»..
ثم عادت الصحافية الاميركية تسأل زايد: انكم يا صاحب السمو لا تبخلون على شعبكم بالمرافق والخدمات ولكن طبيعة الانسان هي أنه لا يشعر بما يحصل عليه من منافع أو مزايا بطريقة سهلة فيصبح مواطنا غير فعال. لماذا تمنحون المواطن الامتيازات والمكاسب بسهولة ودون عناء؟ ما هي فلسفة سموكم في الحياة في ذلك؟ رد زايد مبتسما: لقد عاش هذا الشعب على مدى مئات السنين من التخلف، وقد منحنا الله الثروة مؤخرا وأصبحت بمثابة الوالد الذي يجب أن يرعى أطفاله حتى يشبوا في صحة وقوة، ومن واجب الاب أن يتعهد أولاده حتى يتجاوزوا مرحلة المراهقة، ويصبح كل منهم قوي البنية. وقادرا على العمل. ومن هنا فان واجبي الأول أن أوفر للمواطنين كل مقومات الحياة الكريمة.
شجرة يانعة في أرض التراث
أصالة القائد تتجلى في حبه للتراث وتشجيع النهوض به وكانت وما زالت له جلساته وزياراته لأصحاب المهن التاريخية والقديمة، فكم جلس زايد مع الصيادين والمزارعين وكثيرا، ما شارك الشعب افراحه واحتفالاته وحمل السيف معهم وسط أغاني الشعب الخالدة.
وزايد يعتز أشد الاعتزاز باللباس الوطني، ولم يحدث أبدا سواء داخل البلاد أو خارجها أن خلع هذا الزي، ولا شك أن ذلك أمر وثيق الصلة والارتباط بالتراث والعزة الوطنية، ويشجع سموه الالعاب الشعبية الوطنية لانها تعبر عن روح الشعب ووجدانه وعاداته وتقاليده ونمط حياته كما يحافظ على أعراق التقاليد العربية من الاندثار رغم التبدل الهائل الذي تشهده المنطقة بسبب تغير أنماط الحياة التي تأخذ طابعا عصريا.
اهتمامات بالخيل والجمال والصقور
رياضة الصيد بالصقور أحب الهوايات إلى قلب الشيخ زايد، وهو من أشهر هواة هذه الرياضة التي كان يمارسها ولا يزال يمارسها الكثير من الملوك والامراء في شبه الجزيرة العربية. ويعتبر كتاب تاريخ رياضة الصيد بالصقور الذي ألفه الشيخ زايد مرجعا مهما لهذه الرياضة القديمة ولعله أوسع هذه المراجع وأكثرها دقة لان المعلومات التي يشملها الكتاب تأتي عن خبرة وحسن اطلاع.
سياسته عبر الحدود
ان نظره سريعة على المكانة التي تحتلها دولة الامارات بقيادة الشيخ زايد في المجتمع الدولي تكشف بوضوح مدى نجاح سياسة زايد المبدئية والواضحة، التي تعتمد على الانفتاح على الدنيا من خلال ثلاث دوائر أولها خليجية، والثانية عربية. والثالثة عالمية. فالعلاقات الخليجية في فكر زايد وضميره هي الوحدة المأمولة لكل دول المنطقة، واذا لم تكن هذه الخطوة قد حققت الوحدة الخليجية سياسيا. فانها يمكن أن تتحقق اقتصاديا فالاقتصاد والسياسة جوادان يقودان مركبة واحدة.
يقول زايد: ان قوة الخليج في وحدته الاقتصادية لانها التحدي الحقيقي الذي سيثبت فيه الانسان الخليجي مكانته التي يستحقها، ولان القوة الاقتصادية هي المقياس الحقيقي للقوة الذاتية الخليجية تعويضا للتخلف واندفاعا نحو التقدم والرقي. وفي العام 1981 شهدت العاصمة أبوظبي قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
إعداد: خليل البري
