الحج هو أعظم مظاهر تجرد المؤمن لله رب العالمين، وله أحكام ومناسك وحكم وأسرار ومقاصد شريفة عالية، إذا استحضرها قلب المؤمن فقه مراد الحق سبحانه من الحج، وفي شرح بسيط مواكب لعصرنا الحاضر، أزال مشكلات عَرَّضت الحجيج للهلاك، من خلال الفهم الرشيد لمناسك الحج؛ وأظهر أسرار وآداب الحج، وأجاب عن الأسئلة الشائعة التي ترد في ذهن المسلم حول تلك الفريضة المعظمة.. قدم علي جمعة، مفتي الديار المصرية، في الكتاب الذي بين أيدينا «تيسير النهج في شرح مناسك الحج» الصادر عن دار الوابل الصيب للإنتاج والتوزيع والنشر، شرحًا وافيا لمناسك الحج وأسراره وآدابه، في إيجاز يسعف من قصد البيت الحرام.
في البداية، يتطرق المؤلف إلى فضائل الحج موضحًا: «الحج في ظاهره أن يعقد المسلم النية إلى قصد بيت الله الحرام، والحج من بين أركان الإسلام الأساسية، وهو عبادة العمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين، لأنه يشتمل على العبادات كلها، فقد اشتمل على العبادة المالية، والجسدية، والقولية؛ لذلك لا بد للحج من شروط صحة وشروط وجوب.
صحة الحج
أما شروط صحة الحج، فأمران: الأول هو الإسلام، والثاني هو الوقت، وأما شروط وجوب الحج فأمور: الاستطاعة، بمعنى أن تكون لديك القدرة على أن تنتقل إلى أماكن الحج، والقدرة هذه قد تكون ذاتية، وقد تكون هبة، ومن وجوب الحج أيضًا وجود الزاد والراحلة، وهي الكلفة أو النفقة التي تنقلك من بلدك للبيت الحرام، وهناك أيضًا إمكان المسير يعني أن يتبقى من الزمن ما تستطيع أن تدرك فيه الوقوف بعرفات، وآخر شروط وجوب الحج هو تخلية الطريق.
وينتقل الإمام المؤلف إلى أركان الحج، فيقول: «أركان الحج أربعة، أولها: الإحرام مع النية، فالنية دائمًا تكون مع أول الفعل، وثانيها: الوقوف بعرفة: فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، وإن من لم يقف بعرفة فيكون قد أفسد حجه وعليه حج قادم، أما الركن الثالث فهو الطواف بالبيت: وهو «طواف الإفاضة» وهو سبعة أشواط، أي أن يطوف بالبيت سبع مرات، جاعلاً البيت عن يساره للاتباع، بدءا بالحجر الأسود، وآخر أركان الحج السعي بين الصفا والمروة، سبع مرات، وشرطه أن يبدأ بالصفا».
سنن الحج
وينتقل المؤلف إلى سنن الحج، فيذكر: الإفراد، وهو تقديم الحج على العمرة، و«التلبية» وهي التلبية المشهورة تلبية سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، ومن سننه أيضًا «طواف القدوم»، وهي تحية البيت بالطواف، ولذلك يسمى بطواف التحية، وركعتا الطواف، تصليهما خلف مقام إبراهيم بعد الطواف، ثم تشرب من زمزم، والمبيت بمنى: والصحيح أنه واجب وليس سنة، وآخر سنن الحج «طواف الوداع»، فلا تغادر مكة إلا بعدما تسلم على البيت مثلما سلمت عليه وأنت داخل.
كما تطرق إلى محظورات الإحرام، موضحًا أنها: «كل مخيط محيط، فيجوز أن ألبس مخيطًا يعني فيه خيوط، ولكن الممنوع أن أقفله بخيط مثل البنطلون والقميص، وحلق أي نوع من أنواع الشعر في الجسم: أي لا تحلق الرأس ولا الشارب ولا اللحية ولا تقصر منها، ولا الإبط، ولا العانة، ولا شعر الرجْل ولا شعر اليد، فكل هذا ممنوع وفيها الفدية، أي دم شاة».
ومن محظورات الإحرام أيضًا تغطية الرأس للرجل والوجه للمرأة، فليس للمرأة أن تغطي وجهها لأنه ليس على «المرأة إحرام إلا في وجهها»، كما يحرم أن تزوج وأن تتزوج، ويصبح العقد باطلاً لو تزوجت وأنت بهذه الهيئة، ولا يجوز أيضًا أن تكون وكيلاً في هذا العقد لأحد أطرافه، كما يحظر الوطء «الجماع»، فالجماع مطلقًا وكل أنواع الإيلاج يفسد الحج ويفسد العمرة، على أن يكون من عاقل عالم بالتحريم سواء جامع في حج أو عمرة.
فتاوى الحج
وخصص المؤلف جزءًا من كتابه للرد على الأسئلة التي تتعلق بفتاوى الحج والعمرة، ومن ذلك تساؤل عن حكم دفع مقابل للحصول على التأشيرة من أجل الحالات السابقة التي فسد فيها الحج، ووجب القضاء، علمًا بأنها لا تعطى إلا كل خمس سنوات؟ وأجاب المفتي بأن القاعدة الفقهية تقول: ما حرم أخذه حرم إعطاؤه إلا في خمسة أشياء، يحرم فيها الأخذ ولا يحرم فيها الإعطاء، من بينها أنه يجوز أن تدفع هذا المقابل وتحصل على التأشيرة حتى تؤدي بها حجة ثانية تقضي فيها حجك السابق الذي فسد عليك، لأنه واجب عليك أن تؤدي ذلك فورًا.
ويرد على تساؤل آخر: «أديت الحج منذ عامين، لكني تذكرت الآن أنني لم أقم بالتحلل الأصغر، أي قص جزء من شعر الرأس بعد رمي الجمرات؟»
ويجيب: «أنت هكذا نسيت... فعليك دم، والدم يكون هناك في الحرم، وتقص جزءًا من شعرك، وكل هذه الفترة فيها هدي».
أما عن تساؤل: هل تكرار الحج أفضل؟ أم العطاء للفقراء؟ فأجاب بأن ذلك يكون وفق الحال، فهناك شخص يكون مشتاقًا جدًا.. متعبًا جدًا.. وذنوبه كثيرة، وحياته سيئة، فهذا يذهب للحج، وآخر يذهب للتنزه وللتسوق أو الرياء.. فهذا يخرج الأموال للفقراء أفضل.
تساؤل آخر: «أعمل في بنك تجاري وأريد أن أحج بإذن الله تعالى فهل مرتبي يعتبر حلالا أم حراما؟».. أوضح أن جمهور العلماء يرى أن هذه البنوك التقليدية حرام وأنها ربا، وكثير من العلماء في العصر الحديث يقولون إن مال البنوك ليس بقرض، حتى لو نص القانون على أنه قرض، وأنه نوع من أنواع الاستثمار، وهناك أشياء مجمع على حرمتها كالخمر والخنزير والسرقة والزنا...، وهناك أشياء واجبة يجمع على وجوبها كالصلاة والحج.. وهناك أمور مشتبهات حصل فيها خلاف.. الربا لم يحدث فيها خلاف، فالمسلمون مجمعون على حرمتها، لكن الخلاف هل هذا النوع من العمل ربا أم لا؟.. فكثير من العلماء قالوا: نعم ربا، وكثير من العلماء قالوا: ليس بربا، إذن ماذا عليّ وأنا أمارس هذا النشاط؟ ينبغي عليّ أن أتبع من أجاز، وإلا يحرم علي.. ويترتب على ذلك كل الأسئلة التي نسألها وتوقعنا في الحيرة والاضطراب.. لذلك عليك أن تقلد من أجاز إن ابتليت به. وكشف المؤلف عن لمحات من أسرار الحج، وأسرار زيارة المدينة المنورة، فقال: السر الأول في الحج أننا نتوجه إلى مدينة مقدسة هي محل نظر الله، فيها الصلاة بمائة ألف صلاة، فيها بيت يستجاب الدعاء عنده.. من تعلق بأستاره، أو وقف عند ملتزمة، فإنه يكون مجاب الدعاء.
والسر الآخر، هو زيارة المدينة المنورة للقاء الحبيب الأعظم، صلى الله عليه وسلم، ومن قصد زيارة المدينة فليصل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الطريق كثيرًا، لأن الصلاة على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، إنما هي بعض حقه، والصلاة عليه، صلى الله عليه وسلم، تقبل من كل أحد، من المنافق ومن الفاسق ومن المؤمن ومن التقي، ومن غيرهم. ولزيارة المدينة المنورة آداب كثيرة، تتلخص في حبك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم إن الحب هو الذي يملي عليك سلوك سبيل الأدب معه، والتخلق بخلقه الكريم طوال أيامك التي تقضيها بالمدينة، حتى تصطحب هذا الأدب العالي إلى ديارك بعد عودتك، فتستقيم حياتك كلها بعد ذلك.
كما أشار إلى بعض قبسات أذكار الحج، موضحا: «أول ذلك إذا أراد الإحرام اغتسل وتوضأ، ولبس إزاره ورداءه، وما يقول إذا لبس الثوب ثم يصلي ركعتين، ويراعى أذكار الصلاة وهي معلومة، ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة «قل يا أيها الكافرون» وفي الثانية «قل هو الله أحد» فإذا فرغ من الصلاة وأراد الإحرام نواه بقلبه، ويستحب أن يساعد بلسانه قلبه، فيقول: نويت الحج وأحرمت به لله عز وجل، لبيك اللهم لبيك إلى آخر التلبية».
وإذا وصل إلى حرم مكة ـ زاده الله شرفًا ـ استحب له أن يقول: «اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، واحمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك».. ويدعو بما أحب. وفي النهاية يقول: «وإذا أراد الحاج الخروج من المدينة والسفر استحب أن يودع المسجد بركعتين، ويدعو بما أحب، ثم يأتي القبر فيسلم كما سلم أولاً، ويعيد الدعاء، ويودع النبي، صلى الله عليه وسلم، ويقول: «اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك، ويسّر لي العودة إلى الحرمين سبيلاً سهله بمنك وفضلك، وارزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وردنا سالمين غانمين إلى أوطاننا آمنين».
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
نبذة عن المؤلف:
* د.علي جمعة ـ مفتي الديار المصرية.
* ولد بمحافظة بني سويف بمصر في 3 مارس 1952.
* حاصل على دكتوراه في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر 1988.
* المناصب التي شغلها:
* مفتي جمهورية مصر العربية منذ العام 2003 وحتى الآن.
* عضو مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف منذ العام 2004 وحتى الآن.
* من مؤلفاته:
«علاقة أصول الفقه بالفلسفة»، «آليات الاجتهاد»، «الإمام الشافعي ومدرسته الفقهية»، وغيرها من المؤلفات الدينية.
