أوضح الدكتور محمد مطيع الحافظ رئيس قسم المصحف الشريف في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي أن التراث قاعدة لفهم الحاضر والإفادة منه للمستقبل، وقال إن هذا بالطبع لا ينطبق على كل التراث فمنه ما هو هام ولابد من إحيائه والتفاعل معه ومنه ما لا استفادة منه. وقال إن أوروبا في نهضتها الحديثة أفادت من تراث العرب أكثر مما أفاد العرب أنفسهم من تراثهم، وما يزال مفكروهم يفيدون من كتابات ابن عربي وابن خلدون والرازي وغيرهم.

وكان لـ «البيان» معه هذا الحوار:

ما الحد الأدنى الذي يجب أن يحصله كل مسلم من معارف حتى يفوز بدنياه وآخرته؟

لنقل أولا أن هناك ما يسمى بالثقافة العامة وهي الإحاطة من كل علم بطرف، لنسأل احد خريجي الجامعات اليوم عن كلمات مثل (استراليا ؟ البروتستانت- المعتزلة ؟ محاكم التفتيش ؟ الحرب العالمية الأولى والثانية- المجرات- الثقوب السوداء). أنا لم أتوغل في أي اختصاص ومن يعيش اليوم وليس لديه أفكار قليلة عن كل كلمة وردت في السابق هو جاهل ومقصر بحق نفسه وأمته ودينه.

أما الثقافة التخصصية فلابد لكل منا أن يتخصص في فرع من فروع العلوم وان يتقنه ويجيد فيه، وهذا من فروض الكفايات، فتقصير الناس في هذا الصدد يأثم به جميع أفراد الأمة. وبالنسبة للثقافة الدينية أو الشرعية: هناك ما يسمى (المعلوم من الدين بالضرورة) أي ما لا تصلح حياة المسلم إلا به، وهو عقيدة صحيحة وفقه ما يلزم من عبادات والإلمام بفقه المعاملات والحلال والحرام، ثم لابد من الإلمام بقيم الإسلام وآداب الإسلام وأخلاق الإسلام، ولكن الأهم من الكتب هو التعلم على يد الأب والأم والمربي.

عرفتم في التأليف بكتب التراجم والمشيخات وتاريخ المدارس العلمية وتاريخ مدينة دمشق بالإضافة إلى تحقيق بعض كتب التراث وجدولة المراجع والمخطوطات وقد أنجزتم انجازا كبيرا وضخما، ما الذي يمكن أن تقوله للأجيال الحاضرة عن أهمية هذه المجالات وما الذي يفيدونه من الاطلاع عليها؟

لقد اختص الله عز وجل هذه الأمة (كنتم خير امة أخرجت للناس) بخصائص كثيرة منها حفظ القرآن الكريم إذ لا نجد في أي امة أخرى أو ديانة من الديانات كتابا يحفظ بهذه الكثرة والجودة المتقنة، ولا نجد امة يحفظ فيها كتابها الصغير والشاب والكهل والشيخ والعجوز وبصورة حفظت لنا القرآن الكريم سالما دون تحريف أو تبديل، ومنها حفظ السنة الشريفة ثم الإنتاج المعرفي من علوم الشريعة وغيرها وذلك قبل انتشار الكتابة وبعدها (أمثال ذلك تاريخ الطبري وصل إلينا مسندا).

من هنا ظهرت المشيخات ليتعرف كل طالب على ما أخذ شيخه من العلوم عن شيوخه، وهذا يعني أن المشيخات هي بمثابة التاريخ العلمي للأمة وبها يمكن التعرف إلى العلوم المختلفة وتطورها وكيف تم تلقيها وانتقالها من جيل إلى جيل، وهذا لا يقتصر فقط على القرآن الكريم والسنة النبوية بل يشمل كل العلوم والإنتاج المعرفي من كتب التاريخ والأدب والنحو والصرف والفيزياء والرياضيات والفلك فكل هذه العلوم ومؤلفاتها انتقلت إلينا عبر طبقة بعد طبقة وكل كتاب يمكن التعرف إلى تاريخه من خلال هذه المشيخات.

ألا ترون أن هذا الموضوع متخصص جدا يكاد لا يفيد منه القارئ العادي؟

يمكن للقارئ العادي أن يتعرف في كتب المشيخات على أعلام الرجال وأخلاقهم وسلوكهم وإصرارهم وحرصهم على طلب العلم وبهذا يكتسب قدوات صالحة في حياته، فهؤلاء العلماء هم صناع الحضارة التي ما زلنا نتفاخر بها حتى الآن.

لننتقل إلى التراجم، لا اسأل هنا عن القيمة العلمية لكتب التراجم للمتخصصين فهذا أمره واضح وجلي ولكنني أريد معرفة ما الذي يفيد القارئ العادي من هذه الكتب؟

أولا وقبل الحديث عن فوائد كتب التراجم للقراء العاديين يجب أن نقول إن كتب التراجم ذات قيمة كبيرة فيما يسمى بعلم الجرح والتعديل، وعلم الجرح والتعديل هو العلم الذي يحدد مدى مصداقية الرجل الناقل للخبر سواء أكان حديثا نبويا أو خبرا تاريخيا أو قصيدة شعرية أو غيرها، من هنا تمثل كتب التراجم قاعدة سياسية للحكم على صحة المنقول، ونحن نقول إننا امة الإسلام نفخر بأننا امة إسناد، أي امة تأخذ علومها وتاريخها ودينها عبر طبقات وسلاسل من الرجال المعلومين بكل دقائق حياتهم.

والتراجم تراجم للرجال والنساء، فالنساء شقائق الرجال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شارك النساء في الرواية والنقل كما شارك الرجال، وفي هذا مفخرة للأمة الإسلامية التي اعترفت بالمرأة وقدرها ودورها قبل لوثة ما يسمى بتحرير المرأة الوافدة من الغرب بقرون.

فالتراجم هي سير رجال ونساء الأمة العظام وبالتالي هي مناهج عظيمة في الحياة السلوك والقيم والإنتاج، وجميعنا بحاجة إلى هذه المناهج، ثم إننا من خلال التراجم يمكن التعرف إلى التاريخ بأحداثه وأخباره كما عاشها الأشخاص المترجم لهم والتعرف إلى نقاط القوة والضعف في كل عصر من العصور علميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

ما رأيك فيما نراه اليوم من إعراض عن التراث بحيث لم يبق إلا للمتخصصين؟

الإعراض ليس فقط عن التراث وإنما عن القراءة الجادة بشكل عام، وهنا تظهر مشكلة اللغة العربية عند أكثر الناس وهذا يحول دون اتصالهم بكتب التراث، ولكن يجب أن نؤكد هنا أن التراث يمثل تاريخ الأمة ومخزونها الحضاري والعلمي والقيمي، ولا يمكن لأمة أن تعيش دون هذا التاريخ والمخزون اللذين يمثلان روح الأصالة فيها.

من هنا يمكن أن ندلف إلى تاريخ المدارس العلمية في الحضارة الإسلامية ومنها الذي وجد في مدينة دمشق، وقد استأثرت بقسم كبير من اهتمامكم، ما القيمة العلمية لمثل هذه الدراسات اليوم؟

كانت دمشق سباقه في تأسيس المدارس العلمية وهي مدارس كثيرة ومتنوعة وكانت تغطي جميع أنواع العلوم والمعارف كما أن طلابها كانوا من الكثرة بحيث قد تتعجب كيف كانت إدارتها تتم بشكل منسق ومنظم، كانت هناك دور للقرآن ودور للحديث ومدارس للفقه ولغيره من العلوم الشرعية وغير الشرعية، وكانت هناك خانقاهات التصوف والربط ومنها للنساء ومن أشهرها الرباط الناصري في جبل قاسيون.

كان لأهل دمشق من أمراء وتجار واعيان وأغنياء وعلماء دور كبير في تأسيس هذه المدارس،و كان للمقادسة الذين استوطنوا الصالحية أيضا دور كبير في تأسيسها وكانت هذه المدارس مقصودة من شرق الأرض وغربها وقد تحول خريجوها إلى علماء كبار انتشروا في الأرض ولا ننسى أيضا هنا مدارس النساء.

لذلك أردت أن أعطي دراسة شاملة عن بعض هذه المدارس كنماذج عن المدارس التي انتشرت على امتداد دولة الحضارة الإسلامية وهي تقدر بالمئات، بدأت بالجامع الأموي ثم المدرسة العمرية ودار الحديث الشرفية الجوانية وجامع الحنابلة والخانقاة السميسياطية ودار الحديث الضيائية ودارالحديث النورية ودار الحديث السكرية.

حوار: ماهر سقا أميني