على مقعد في نهاية الفصل.. على خط التماس بين الأدراج الخشبية تجلسان، نظرات تجول في المكان.. وصمت استسلمت لإرادته أي محاولات للحديث.. «هذي زميلتكم مريم، تفضلي حبيبتي على الكرسي في آخر الصف»، عند ذاك تُسجل لحظات اللقاء الأول، في الصف الأول الابتدائي.. ولد الزمن في تلك اللحظة، بهمسات خجولة، نما.. وكبر وأينع،.. يبس ومات.. ثم أورق.. وأزهر وعاود النمو من جديد بعود أقوى، شجرة الصداقة تعانق الأفق وتمتد، تكبر ولا تشيخ.. يتفيأ ظلها سرب من حمام الأحاسيس الصادقة..

وحشائش فرح مخضرة.. القفز بين مراحلها كان الأكثر إثارة.. وتتبع خط سيرها من مراحل الطفولة الهامسة.. إلى المراهقة العاصفة.. والنضج الشهي يملأ دولاب الذكريات، ما زالت العلاقة تحت وطأة الدهشة. تُحار الصديقتان أي مرحلة أجمل في تلك العلاقة.. وأي حدث كان منعطفها الأكثر تأثيراً.. بينما تدوران في مجال مغناطيسي تسيطر عليه صداقة في أوجها.. تحتفل بعامها العشرين.. تسللت إليهما في الصغر.. داعبت الأحلام وكبرت مع الأمنيات.. كانت قاعدة بُني على هيكلها مفهوم الصداقة.. فالتجارب الأولى تحكم القبضة على الانطباعات وتكون المفاهيم المرتبطة بها.. والصداقة تُفسر الوفاء.. وتترجم الفرح.. وتُجيد بث الحزن والتعاطف.. وفيها تكمن معانٍ تتلمسها شغاف القلب فقط!.

بدايات

في الصداقة أسرار البنات.. وطيش الصبية، حكايات نراهن عليها ونحتفظ بها في صور وقصاصات الدفاتر، في خربشات ومذكرات كتبت بالرصاص وبالمقلوب وتمنت الإخلاص والمحبة الكامنة في القلوب.. بخطوط منتفضة وحروف متكئة على السطر وأخرى مائلة.. دُونت ذكرى الصداقة.. على يقين بأنها تمر بمواسم كالخريف، تُساقط الأوراق وتستبدلها بجديدة.

في الصداقة عدوى لذيذة، فمظاهرها الداخلية من انسجام وتآلف.. لا بد أن تظهر في إسوارة يد.. أو علاقة مفاتيح.. أو مفردة تناقلتها الألسن بحكم التقارب الروحي والفكري.. وهي رائحة تفوح في المنزل، في أسلاك الهاتف وفي «المسجات».

للطفولة أصدقاء.. وللنضج أصدقاء، وللعمل أصدقاء من فئة أخرى، وكل يرتبط بدرجة النمو الفكري للفرد، فلا تتصور أن تحتفظ بصديق الطفولة إن لم تكن وإياه في مستوى فكري أو مهني متقارب، فلا يكفي ارتشاف الصداقة على مائدة الذكريات، لا بد أن تكون العلاقة صالحة لكل زمان ومكان.. ولقاء في زمن بعيد قد يُطيح بآمال الصداقة، فقد لا تكون أنت ذلك الطفل.. ولا صديقك كذلك.. وتبقى الصداقة ذكرى.

وفاء

كما الأشجار تماماً هي الصداقة.. متفاوتة الطول.. متباينة الاخضرار، ومختلفة في حجم أوراقها، تمتص ثاني أكسيد كربون حياتنا.. صديقة للبيئة ووارفة الظلال، بحاجة فقط لمن يُجيد الاعتناء بها وسقايتها.. وتدليلها، واختبارها تحت أشعة الشمس وفي وضح النهار، وتحديد قدرتها على احتمال ظروف جوية قاسية.. كالغياب.. أو الوقوف على مفترق طرق أحلاها مر..

أو دخول احدى النفوس الشريرة على خيط الوفاء الخفي، والتلاعب بجذورها الممتدة.. وتضييق الخناق على شجرة الصداقة. أن تعصف رياح الأيام بتلك الشجرة. فذلك أمر وارد، وأن يستمر الخريف في إسقاط أوراقها فذلك غير مستبعد.. المهم ألا تفقد هيكلها، وقدرتها على الثبات في وجه العاصفة، فالجذور الممتدة والمتمركزة في القلوب أهم ما يجب الاحتفاظ به.. والرهان عليه.

أيها الأصدقاء! حذار أن تغزو «السوسة» شجرتكم، تلك الآفة تمشي كما البشر على الأرض، ولكنها تخلو من إنسانيتهم، تتلذذ بحقن سمومها في العمق وعند الجذور، تظهر في مواسم الجفاف وتتواطأ مع النفوس الشريرة.. تقتلعها أحياناً.. وتُخلف جرحاً لا يوقف نزيفه صديق آخر.. فبقدر الحب يكون الجرح.. وبحجم الفرح يولد الحزن. ولا إحساس يعوض فقدها.. وإن كان هناك ما يملأ الفراغ.. ستدق نواقيس الصداقة ولو بعد حين.. معلنة جفاف الجذور.. وحاجتها إلى أمطار التواصل من جديد.. عندها يستأثر الوفاء بدور البطولة في المسرحية.

صفة

في اللغة من مات زوجه أرمل.. ومن لم يتزوج فهو أعزب، ومن لم تجد ابن الحلال فهي عانس، ومن توفي والده فهو يتيم، الغريب أن من فقد صديقاً لا اسم ولا صفة له.. ربما لأن الصداقة أكبر من المسميات.. وما يُخلفه فقدها لا يمكن حصره في حروف معدودة.فهو وحيد.. وأعزل.. وضعيف.. أو كما تقول الأغنية «جرح الصداقة في الظهر ما يندمل.. عيّت سنيني كلها ما داوته».

أمل الفلاسي