قال الدكتور عادل عبد اللطيف مدير البرامج الإقليمية العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن التقرير العربي الأول للمعرفة يعتبر استهلالا لأحد أكبر المشروعات طموحا وكفاءة لبناء وتعزيز القاعدة المعرفية والفكرية والثقافية، بأبعادها كافة، في الواقع العربي الراهن.
وأوضح ان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يدعم جميع الجهود الهادفة إلى دفع التنمية الإنسانية بعناصرها وأبعادها كافة وان مساعي كل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، تنسجم وتتناغم في وحدة الهدف، ونبل الرسالة والمقصد، وتندرج في نطاق الجهد العالمي في هذا المجال. وأشار إلى أن «تقرير المعرفة العربي: نحو تواصل معرفي منتج» يركز على علاقة المعرفة بالحرية وبالتحديث وبالتنمية الإنسانية والأهم بما يعزز الكرامة الإنسانية. ويعتبر التقرير المعرفة والثورة المعرفية الراهنة مدخلاً للإصلاح في الوطن العربي لأن المعرفة، ببعديها التنويري والتنموي، هي الحرية بعينها.
والحق في اكتسابها مبدأٌ لا يقبل الجدل، بخاصة في بلداننا حيث لا يزال أغلبها يعاني من الأمية المعرفية والرقمية. وهي حجر الزاوية من منظور التنمية الإنسانية، حيث يسهم توظيفها إسهاما محوريا في الخروج من دوائر الفقر والبطالة والجهل والخوف. إننا نتفق مع هذه الرؤية وندعمها. وذكر ان التقرير يدق نواقيس التنبيه بقوة عند تعامله مع موضوع التعليم؛ الذي هو في لب مجتمع المعرفة المأمول. ويؤكد أن أنوار المعرفة لم تصل إلى جميع الراشدين بالتكافؤ. كما يبين التقرير أن هنالك تفاوتاً كبيراً في رأس المال المعرفي المكتسب من خلال التعليم، لا بين الدول العربية فحسب، بل داخل كل دولة على حدة، وبين الذكور والإناث، ثمّ بين الراشدين الأصغر سنا والراشدين الأكبر سنا
فعلى الرغم من أن المنطقة قد أنفقت 5% من ناتجها المحلي الإجمالي و20% من ميزانيات حكوماتها على التعليم خلال الأربعين عاماً الأخيرة، إلا أن نحو ثلث السكان الكبار فيها عاجزون عن القراءة والكتابة، وما يزال في الدول العربية نحو 60 مليون أمّي، ثلثاهم من النساء، وما يقارب تسعة ملايين طفل في عمر المدرسة الابتدائية خارج المدرسة. فكيف يمكن إقامة مجتمع المعرفة المأمول في ظل هذه الأوضاع؟ يضاف إلى ذلك أن التعليم، وخاصة الجامعي والتقاني والمهني، لا يتوافق بالضرورة مع متطلّبات الانتقال إلى اقتصاد المعرفة الذي يعتمد بشكل أساسي على العلوم المتخصّصة، والتقنيات الحديثة، وثورة الاتصالات، والانفتاح على المكاسب المتطورة للمعرفة. ويشكّل هذا الأمر عائقا أمام تكوين الكتلة الحرجة من رأس المال البشري عالي الكفاءة القادر على الابتكار والإبداع والتجديد، وعلى قيادة عمليات التطوير المستمر الذي تحتاجه المجتمعات العربية.
أما بالنسبة لتقانة المعلومات والاتصالات، والتي تشكل احدى أهم دعائم مجتمع المعرفة، والتي تعدى دورها أن تكون وسيلة فقط لتصبح ببرمجيتها وتجهيزاتها بمثابة الجهاز العصبي لمجتمع اليوم، هنالك العديد من التغيرات الإيجابية في هذا المجال على مستوى المنطقة لا بل تعد تقدما ملحوظا في عدد منها ولا سيما في دولة الإمارات.
وأكد أن معدل نمو استخدام اللغة العربية على شبكة الإنترنت، يعتبر من المؤشرات الإيجابية، حيث ان معدل زيادة مستخدمي العربية، كما يبين الموقع الالكتروني للإحصائيات العالمية للإنترنت، هو الأعلى بين مجموعة اللغات العشر الأولى على الشبكة. وبلغ 2064% خلال الفترة 2000 - 2008، أي نحو 60 مليون شخص، بالمقارنة بمعدلات ازدياد مستخدمي اللغات الأخرى، ومنها الصينية، التي بلغت نسبة زيادتها 755%خلال الفترة ذاتها. ويبشر هذا التسارع في استخدام الإنترنت باحتمالات أكبر للنجاح في ترويج تطبيقات التقانات في المجالات المختلفة، مما سيساهم في النهوض بالأداء المعرفي العربي بصورة عامة.
وأشار إلى انه لا يجب أن تحجب هذه الإنجازات عن نظرنا أنه ما زالت أمام المنطقة أشواط لتقطعها في هذا المجال، كما أن مثل هذه التغيرات تضعنا أمام تحديات مضاعفة لتعزيز النجاحات ولتضييق الفجوة التي ما زالت تفصلنا عن العالم في هذا المجال. فرغم انتشار استخدام الإنترنت بشكل ملموس في السنوات الخمس الأخيرة في الدول العربية كافة، إلا أن معدلات الاستخدام في أغلب الدول العربية، باستثناء أربع منها، ما زالت دون معدل النسبة السائدة في العالم، وهي 21 بالمئة من السكان.
واستطرد لا بد من التعاون في دعم المهام الرامية إلى الاستثمار الأمثل لتقانات المعلومات والاتصالات في بناء مجتمع المعرفة العربي والتي قد تفوق إمكانات الدول العربية فرادى. ودعا إلى تمتين أواصر التعاون بين المؤسسات المعنية على الأصعدة المختلفة، وتملك وتوظيف التقانات الحديثة عبر التعاون داخل كل من البلدان العربية، ومع شركائها ضمن المحيط الإقليمي وعلى الصعيد العالمي.
كما إننا نتفق مع ما ورد في التقرير حول ضرورة توجيه المزيد من البحوث للكشف عن آثار التطور التقاني على اللغة العربية وتعامل التقانات الجديدة معها، بحيث يتم الحفاظ عليها ويتكرس دورها محوراً للتنمية ولتعزيز إسهام العرب في البنيان الحضاري الإنسانيّ والاستفادة منه.
وأوضح ان التقرير تطرق إلى أن مفهوم الإبداع يتجاوز دلالات المصطلح المرتبط أساساً بالمجال التقني البحت وأدواته، إلى خصوصيات الإبداع العربية في الفنون والآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية. كمايرى واضعو التقرير أنه، على الرغم من الجهود التي يبذلها العلماء والباحثون العرب، فإن تدني نسبة ما تنفقه الدول العربية على البحث والتطوير يؤثر سلباً على الأداء الإبداعي العربي كماً وكيفاً، حيث لا يتعدى معدل الإنفاق على البحث العلمي في معظم الدول العربية 3. 0% من الناتج المحلي الإجمالي، يعتمد في مجمله على مصدر واحد هو التمويل الحكومي الذي يصل إلى 97%.
يضاف إلى ذلك ضعف تأثير ومحدودية النتائج التطبيقية للبحث والإبداع في المنطقة العربية حيث رُبطت هيئات البحث العلمي بنظم التعليم العالي بدلاً من ربطها بنظم الإنتاج والخدمات - كما هو الحال في الدول الصناعية - مما ساهم في خلق فجوة واسعة بين نظم التعليم والبحث من جهة، والحاجات الاقتصادية والمجتمعية من جهة أخرى.
ولإبراز ذلك يكفي أن نشير إلى أن معدل نصيب المواطن العربي لا يتجاوز مبلغ 10 دولارات في السنة من مجمل ما ينفق على البحث العلمي في حين تبلغ حصة المواطن في ماليزيا 33 دولاراً، وتسجل الدول الأوروبية الصغيرة، مثل أيرلندا وفنلندا، مستويات قياسية حيث تبلغ 575 و1304 دولارات على التوالي. أمّا الدوريات العلمية العربية، غير المشمولة في قواعد المعلومات الدولية، فإن عددها لا يتجاوز 500 دورية.
المنطقة العربية أصبحت تنتج ما يعادل 1. 1% من النشر العلمي في العالم بعد أن كنا شبه غائبين عن هذا المجال، إلا أن نصيب المواطن العربي من إصدارات الكتب يمثل 4% و5% من نصيب المواطن الإنجليزي والإسباني على التوالي. ويترافق العزوف عن القراءة مع ارتفاع معدل الأمية، وهبوط القوة الشرائية للمواطن، وضحالة النظم التربوية، وغياب خطط التنمية الثقافية. لا بد لنا من العمل سويا على تجاوز العجز الواضح في هذا المجال.
وأضاف أن التشخيص التحليلي أظهر بعض التقدم في مظاهر مجتمع المعرفة في عالمنا العربي، إلا أنه يبرز العديد من الفجوات التي ينبغي التصدي لها، بجدية وحزم، إن أردنا إقامة مجتمع منتج للمعرفة. ويرى التقرير، ونحن نشاركه هذه القناعة، بأن التأخر في مجال المعرفة قابل للتدارك، عندما يتوافر الطموح أولا، وتتوافر الإرادة السياسية المدعومة برصد الموارد اللازمة لبناء البيئات التمكينية والمؤسسات القادرة على رعاية التطور المعرفي وتحويل مكاسبه إلى وسائل مساعدة على تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة.
عنوان
التواصل المعرفي
اختار واضعو التقرير عنوانا فرعيا لهذا العام هو «نحو تواصل معرفي منتج». وهذا ما ينسجم مع الخط الناظم ومركز الثقل في هذا التقرير الذي اتجه إلى الدفاع عن مبدأ التواصل بالمشاركة والاندماج المنتج والخلاق، وتضمنت رؤيتُه علاماتٍ في درب التواصل المفضي إلى الاندماج في فضاءات المعرفة، الرافعة لراية تقدم المجتمعات العربية.
رؤية
التقرير يقدم رؤية إقامة مجتمع المعرفة العربية
قال الدكتور عادل عبد اللطيف إن التقرير يحاول الذي بين يدينا تجاوَزَ تشخيص العلل، ليقدم رؤية وخطة عمل مقترحة لتأطير الجهد المستقبلي المتوجه لإقامة مجتمع المعرفة في المنطقة العربية. واشتملت «الرؤية الخطة» على بعض العناصر الأولية والآليات المطلوبة لولوج عتبات المعرفة، وللانخراط في مجتمعها والمشاركة في عمليات إنتاجها، ولردم الفجوات المتعددة التي تملأ مساحات المشهد المعرفي العربي.
واستندت الرؤية المقترحة إلى ثلاثة أسس كبرى، هي توسيع مجال الحريات، والتكامل الفاعل مع الحاجات المجتمعية المتنامية، وأخيرا وليس آخرا، الانفتاح والتواصل. واستجابة لأبرز متطلبات الراهن العربي في مجال المعرفة، اعتمدت الرؤية المقترحة على ثلاثة محاور كبرى للتحرك، في مجالات توفير البيئات التمكينية، ونقل وتوطين واستنبات المعرفة، ثم توظيفها في خدمة التنمية الإنسانية.
ويقِرُّ واضعو التقرير، وهم نخبة من المفكرين والباحثين من مختلف أرجاء الوطن العربي، بأن المقترحات المتضمنة في هذه الرؤية المتعلقة ببناء مجتمع المعرفة في الوطن العربي تنحاز إلى روح وخيارات التنمية الإنسانية.



