منذ سنوات طويلة تعيش الجزائر «عزلة» إعلامية باعدتها عن المشهد العربي بشكل أو آخر، ولا يكاد القارئ العربي يعرف عنها سوى أخبار عاجلة تمر على خجل أمام ناظريه. لتخبره بمقتل عشرات وإصابة مئات بهجوم في جنوب الجزائر أو شرقها نفذه مسلحون مجهولون!
المواطن العربي، لم يعد يتذكر أن في الجزائر شعباً حياً وطبيعة نابضة بالحياة والخير، فمن المسؤول عن زحف هذه الصورة النمطية في عقل ملايين الناطقين بالعربية، والمحبين لـ «بلاد العرب أوطاني»؟! في هذا الحوار نستكشف مع عزالدين ميهوبي، وزير الإعلام الجزائري أسباب الغياب وإشارات الغياب في المشهد الإعلامي الذي لم يكتمل إلى الآن:
ألا تحسون أن الجزائر مجهولة نتيجة الخمول الإعلامي بشكل عام؟
لا أوافقك الرأي في أن هناك عملية تجهيل «متعمد» في عدم التعريف بالجزائر وما تتوفر عليه من مقدرات سياحية وثقافية وتاريخية.. فهذا البلد لم يكتشفه كولومبس ولا ماجلان، لأن حضوره في التاريخ يعود إلى عشرة آلاف سنة.. ويمكنني أن أدلل على ذلك بما تتوفر عليه حظيرة التاسيلي في جنوب الصحراء من شواهد على أن حضارات سادت ثم بادت في تلك الأرض، ولعل الكتاب الذي أصدره عالم الاجتماع الثقافي السويدي، الروماني الأصل، جورج كريستيا بعنوان «الصحراء» يثبت علميا أن نشوء المسرح بدأ في هذه البلاد، وما المنحوتات الصخرية في جانت وغيرها إلا دليل على ذلك..
ثم إن الجزائر بتنوع طقسها وتضاريسها، يجعلها تختزل ما يتمناه البشر من طبيعة ومشاهد تسر الألباب.. ولكن السنوات الصعبة التي مرت بها الجزائر حولتها إلى مجرد عنوان «أمني أو سياسي» في صحيفة أو قناة فضائية، لأن الأزمة التي عاشتها في مطلع التسعينات واستمرارها حتى إعلان قانوني الوئام والمصالحة الوطنية ومعالجة آثار المأساة، هذه الأزمة أخذت حيزا كبيرا في حياة الجزائريين وأغلقت أبواب الوجه الآخر المشرق للجزائر، الأمر الذي أدى إلى أن النظرة إلينا نحن الجزائريين لم تتجاوز ما تنشره الوكالات من أخبار الدم والفجيعة.. في حين وراء كل ذلك كانت الجزائر تحتفظ بحقها في أن تبرز الوجه الجميل الذي يكتشفه اليوم الوافدون إليها من العرب والأجانب، وهذا يسعدنا كثيرا لأنه يمثل حالة «تطبيع» مع الجمال والمحبة.
ألا ترون بأنه لو فتح المجال لقنوات فضائية خاصة كما هو واقع في كل بلاد العالم، لكان ذلك عاملا مهما في تقديم الجزائر بشكل مختلف؟
وإذا عنيت بالسؤال ما يتعلق بفتح المجال السمعي البصري في الجزائر، فأكون واضحا معك، إن كان الأمر يتعلق بفتح أكشاك تلفزيونية هدفها كسب المال من بركات الجوال فهذا لا نريده، لأننا لا نسعى إلى بناء منظومة إعلامية استهلاكية، وإنما استثمارية جادة ومساهمة في ترقية الوعي وتشكيل الرأي العام، وهذا لا يتم إلا من خلال توفر مناخ قانوني وتشريعي واقتصادي، وكذا توفر موارد بشرية مقتدرة، ونحن نعمل في هذا الاتجاه، مثلما نعمل على تحسين أداء التلفزيون الوطني بمختلف قنواته.
الثورة الجزائرية، وبالأخص الجانب الفكري، الثقافي، فيها لم تأخذ حقها الكافي من التعريف في الوقت الذي نالت فيه ثورات أقل شأنا ما تستحق وأكثر من تسويق وتعريف إلى متى يستمر هذا؟
أوافقك الرأي في أن الثورة الجزائرية لم تنل حظها من التعريف بها في الخارج خاصة، لكن هذا لا يعني أن الجزائر لا تقوم بعمل كبير في هذا المجال، واسمح لي إن قلت لك بأن الجزائريين بقدر اعتزازهم بثورتهم وبنضالات آبائهم وأجدادهم، فإنهم متواضعون جدا أمام التاريخ، وليسوا من طينة المتباهين بإنجازهم التاريخي من أجل الحرية.
وما تقوم به وزارة المجاهدين وعدد من المؤسسات التابعة لها، وكذا المبادرات التي تقدم عليها جمعيات من المجتمع المدني، لا يمكن نكرانه، وكل ذلك أسهم في إعادة التاريخ إلى الواجهة، فحاليا أكثر الكتب انتشارا ورواجا في الساحة الثقافية الجزائرية، هي ما تعلق بالثورة، خاصة تلك الشهادات التي يدلي بها في مؤلفات عدد من قادة الثورة وشهودها، ثم إن المبادرة التي قام بها الرئيس بوتفليقة من إدراج حماية التاريخ ورموز الثورة كالعلم والنشيد الوطنيين من الاستخدام السياسوي غير البريء ما يكشف عن مكانة الثورة في عقل الدولة والمجتمع.
ويكفي أن أشير إلى أن وزارة المجاهدين تقوم حاليا بعمل كبير يتمثل في اقتناء كل المؤلفات التي تتناول تاريخ الثورة في أي مكان من العالم، وتعيد طباعتها وترجمتها، ووضعها تحت تصرف الباحثين والمهتمين بالتاريخ، ثم هناك المركز الوطني للدراسات التاريخية والبحث في ثورة أول نوفمبر 1954، يقوم بعمل مهم سواء في مجال النشر أو تنظيم الملتقيات والندوات الوطنية والدولية حول الجوانب المتصلة بثورة الجزائر العظيمة.
مضاعفات وتبعات الأزمة الجزائرية لا تزال ماثلة ولا يزال التساؤل حول عودتها قائما.. هل هناك رهان حقيقي لتخطي تلك الأزمة الثقافية بالدرجة الأولى، وما هو دور الإعلام في ذلك؟
أملي أن يفهم الناس أن الجزائريين يعيشون حاليا مرحلة ما بعد الأزمة والإرهاب، والتفكير يجري الآن حول كيفية تدارك السنوات الصعبة التي عرقلت التنمية والتطور والعصرنة، والحمد لله فإن قطار الحداثة يتحرك بسرعة في الجزائر وعلى كل الأصعدة، والذين زاروا الجزائر قبل عشر سنوات، يعودون إليها اليوم فيشهدون بهذا التحول، وفي سؤالك الأول أشرت إلى هذا، فما رصدته الدولة الجزائرية من إمكانات مالية ضخمة، مست كل الجوانب، السكن والطرق والسكة الحديدية والجامعات والسدود والمدارس والمركبات الثقافية، وتنمية الموارد البشرية ضمن مخططات مدروسة بدقة، كلها تكشف أن معالجة الأزمة تمت على مسارين، من خلال استفتائي الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة.
وكذا التصدي لتبعات الأزمة في كل جوانبها، ومنها الثقافية.. فالنجاح الذي شهدته فعاليات الجزائر عاصمة للثقافة العربية، وعودة الثقافة الجزائرية إلى الواجهة من خلال تشجيع نشر الكتاب وتمويل الأعمال السينمائية والمسرحية والتكفل بالمبدعين الشباب، وكذا عودة الجزائر إلى موقعها الثقافي الإفريقي بتنظيم المهرجان الثقافي الإفريقي الثاني وما شهده من حضور ساحر للثقافة الإفريقية.. كل ذلك يؤكد أن حدث الأزمة صار من الماضي. والإعلام الجزائري لم يعد أسير تلك المرحلة الصعبة، والقضايا التي يتناولها تصب كلها في فضاء المتغيرات الجديدة.
تحديات
الأمية في الجزائر بعد الاستقلال
الأمية في الجزائر والوطن العربي بشكل عام لا تزال تشكل عائقا تنمويا حقيقيا، الإعلام العربي هو إعلام ترفيهي بامتياز. وهذا ما يؤكده وزير الاعلام الجزائري ميهوبي فتلك مسألة شائكة.. والمفارقة العجيبة أنه كلما زاد الاهتمام بالتربية والتعليم، وارتفع عدد المؤسسات في البلاد العربية إلا ويظل مؤشر الأمية ثابتا ولا يكون تغيره إلا بطيئا، إذ إن ثلث العرب أميون، وكأن التسرب المدرسي صار أمرا محتوما تصعب مواجهته..
وهذا لا يعفينا من القول بأن عددا من البلدان وضع مخططات للقضاء على هذه الآفة المشوهة لصورة المجتمع العربي وحقق أشواطا مهمة في التكفل بذلك، وفيما يتعلق بالجزائر فإن الإحصائيات أشارت إلى أن نسبة الأمية فيها انخفضت إلى 1. 22 بالمئة بعدما كانت في حدود 90. 31 بالمئة عام 1998 و43 بالمئة عام 1990 وقد وضعت الحكومة إستراتيجية شاملة للقضاء على الأمية نهائيا في البلاد قبل 2016 ورصدت لذلك غلافا ماليا يفوق 700 مليون دولار. ولا بأس إن قلت لك بأن والدتي التي لا تكتب ولا تحسب بدأت في محو «أميتها» في سن الخامسة والستين، وهي الآن بعد خمس سنوات قادرة على أن تقرأ القرآن والصحف وقصائد ابنها.
حوار ـ محمد حسين طلبي

