قال الشيخ: مما يؤصل له في فقه أسرار الابتلاء أن العقل والشرع يرجحان اويقتضيان أصلاً محبة العبد لله سبحانه وتعالى بصفاته وأسمائه الحسنى الجامعة لكل جمال وكمال، وهذه المحبة إنما هي حاصلة عن معرفتين: معرفة عقلية وهي التعرف إلى الله من خلال علم التوحيد وما فيه من تفصيل حيث لا يمكن إدراك كنه الله سبحانه وتعالى وذاته.

ولكن يمكن التعرف إلى صفاته الواجبة له وأسمائه التي سمى بها نفسه، وموقع الإنسان من الخالق سبحانه وتعالى وما يسبغه الحق سبحانه وتعالى على عبيده من نعم تبدأ من صفة الإيجاد والإمداد وتنتهي بالخلود في الجنة بمعيته عز وجل، ومعرفة ذوقيه وهي حاصلة بدوام ذكر الله ومراقبته وشهود حضوره في كل الأحوال والأفعال والتعرض لنفحات القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ومتابعة سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام والالتزام بسننه ومحابه.

وهذه المحبة الضرورية عقلاً وشرعاً والتي يجعلها ابن رجب الحنبلي رحمه الله في مقام الواجب وفرض العين لا من حيث القسر وإنما من حيث أنها آتية بالضرورة عن المعرفة الواجبة تجعل المؤمن لا يرى في أحداث الحياة إلا أفعال الله حتى الابتلاءات منها، فإن كان كل ما يمر به المرء في حياته إنما هو بإرادة المحبوب وفعله فما الذي يضير العارف بذلك وإن جرت الرياح بما لا تشتهيه نفسه أو بما لا يدرك عقله الحكمة منه، فهو في مقام التسليم والرضا يفوض أمره لله ويسعى إلى أن يعالج أزماته بعون الله ومدد منه حيث لا يكشف الضر إلا هو ولا ينزل الخير إلا هو.

هذا المعنى عبر عنه الشاعر يوماً بقوله:

لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ لقد سرني أني خطرت ببالك

والشاعر هنا يتكلم عن حب محب ناقص لمحبوب ناقص، في حين أننا مع الله في حالة حب محب ناقص وفقير ومحتاج لمحبوب كامل وغني ومستغنٍ عن كل ما سواه، والمؤمن العارف يشهد أحداث الحياة وهي تتوالد من رحم الغيب دون أن تحصر رؤيته السقوف الواطئة والممرات الضيقة التي لا تعترف إلا بالأسباب والمسببات، فيظن نفسه أنه صانع قدره -والعياذ بالله- أو أنه ضحية غيره من صانعي الأقدار، فهو بين لائم لنفسه أو متألم من الآخرين، لا يرى إلا نفسه أو أعداءه أو ما يمكن أن يسميه جهلاً وكفراً عبث الطبيعة وسخرية الأقدار.

المؤمن العارف يرى ربه الحكيم الرحيم الودود وراء كل حدثٍ في حياته فيعاتب نفسه ويحاسبها إن كان مقصراً، ويسلم أمره لله إن كان غير ذلك، يلجئه ألمه إلى باب محبوبه يتململ على أعتابه راضياً بما قسمه الله له طالباً منه اللطف والرحمة.

ففرق كبير بين من يريد أن يبارز الحوادث والأقدار والأشخاص والمخلوقات من حوله وهو بين لائم لنفسه ومتحسر عليها وقد يقع في الهزيمة سريعاً فلا يجد من يلجأ إليه، وبين من يعلم أنه يعيش أيامه المعدودة في هذه الدنيا كما يريدها الله القادر على كل شيء، فهو إذا رضي وصبر وسلم ربح رضى محبوبه في الدنيا والآخرة وأي خسارة بعد هذا! يقول الحق سبحانه وتعالى (إصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) الطور 48 فما الذي سنخسره إن كنا في عين الله بل لعلها بشرى بان كل من ابتلي فصبر هو في معية الله وبعينه عز وجل.

ماهر سقا أميني