يعد الدكتور محمد عبدالحليم واحداً من أشهر خبراء الاقتصاد الإسلامي في مصر والعالم العربي، وذلك لقيمته العلمية الكبيرة ومؤلفاته وأبحاثه التي تقترب من الثلاثمئة كتاب وبحث من أهمها «القيمة الاقتصادية للزمن من منظور إسلامي، المحاسبة الحكومية، التنظيم المحاسبي للبنوك الإسلامية.. دراسة حول توزيع الأرباح في البنوك الإسلامية»، كما أنه عضو بالعديد من المؤسسات الاقتصادية العربية والدولية.. ولذلك كان لابد من إجراء هذا الحوار معه لمعرفة مفهوم الاقتصاد الإسلامي، والفرق بينه وبين الاقتصاد الوضعي، وأيضاً الأزمة المالية العالمية الحالية وتداعياتها وتأثيرها على البلدان العربية، وكيفية مواجهة مثل هذه الأزمات من منظور إسلامي، فإلى نص الحوار...
حول مفهوم الاقتصاد الإسلامي، يقول عمر: يجب أن نعرف أولاً ما المقصود بالاقتصاد نفسه؟ والذي يعني كيفية التصرف في الأموال كسباً وإنفاقاً وادخاراً، وكما ينظم الإسلام سلوك الإنسان في التصرفات، فإنه يعمل على تنظيم سلوك الإنسان في المال، ولذلك فالاقتصاد الإسلامي يعني التصرف في المال طبقاً لضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية لأن الدين الإسلامي له أكثر من شق فهناك جانب يتعلق بتنظيم علاقة الإنسان بربه في العبادات، وآخر يتعلق بضبط سلوك الإنسان في المعاملات من بيع شراء ومنها الأمور المالية التي أرسى لها الإسلام قواعد، ولذلك فهناك تعريف آخر للاقتصاد الإسلامي وهو «سلوك الإنسان في الموارد المالية التي منحها الله له».
وما ضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية للتصرف في هذا المال؟
هناك ضوابط تتعلق بالفرد نفسه، ومنها الضمير، بالإضافة إلى ذلك فهناك قواعد عامة للتصرف في هذه الأموال وهي أن يكون التصرف نافعاً ولا يضر بالإنسان بمعنى ألا تقام مشروعات تغضب المولى كأماكن شرب الخمر وكباريهات الدعارة وغيرها، بجانب ذلك لابد أن يكون هناك رضا في المعاملات المالية لأن الرضا أساس كل شيء، والحرية في اتخاذ القرارات، ولكنها حرية منضبطة طبقاً لقواعد وأحكام الشريعة، ومن الأهمية أيضا أن تكون هناك شفافية في التعامل بحيث لا يشوب هذه التعاملات غش.
تحدثت عن القواعد العامة، فهل هناك قواعد تفصيلية للمعاملات الإسلامية؟
بالفعل هناك قواعد تفصيلية، ولكن حسب الشيء نفسه، فهناك قواعد للبيع، وأخرى للإجارة، وثالثة للعمل.
هل هناك قواعد لتعاملات البنوك؟
البنوك لها 3 وظائف وهي جمع المدخرات من المواطنين وتشغيلها مقابل فائدة محددة بغض النظر إن كان تشغيل هذه الأموال سيجلب ربحا أم لا، الوظيفة الثانية هي تمويل المستثمرين لمساعدتهم في إقامة المشروعات مقابل فائدة محددة، أيضاً بغض النظر أقيمت هذه المشروعات أم لا، كسبت أم خسرت، ووظيفة ثالثة وهي أداء الخدمات المصرفية، وأهم ما يشغل البنوك حالياً هو الحصول على الأموال من العميل، وإعطائه فائدة سواء تم تشغيل هذه الأموال أم لا، وكل هذه أمور محرمة نهى عنها الإسلام لأنها كلها معاملات ربوية.
ما الفرق بين التعاملات في هذه البنوك والبنوك الإسلامية؟
البنوك الإسلامية تعمل بمبدأ المشاركة في كل شيء، وتشمل على كيفية استخدام المال في طرق مشروعة، ولذلك فهي شريك في تحمل الربح والخسارة بعكس البنوك الأخرى، كما أن البنوك الإسلامية لا تعطي قروضا، وإنما تشتري الشيء وتبيعه، ولذلك فهو أسلوب تجاري لا حرمة فيه.
كيف تنظر إلى أسباب الأزمة العالمية من منظور إسلامي؟
سببها هو استخدام الأساليب غير الشرعية والمحرمة شرعاً، ومن هذه الأساليب الرهن العقاري، وهذا الأسلوب غير جائز شرعاً، لأن السكن من الحاجات الأساسية للإنسان وينبغي أن يوفر بالطرق المشروعة بمال حلال، وهذا ما لم يتم، ومن الطرق المشروعة التي تتعامل بها المؤسسات المالية الإسلامية شراء مؤسسة التمويل العقار وبيعه مرابحة، وكذا إبرام عقد استصناع «مقاولة» مع العميل لبناء المبنى.
وتوجد صورة أخرى تطبق في المؤسسات المالية الإسلامية العاملة في أمريكا وهي صورة «المشاركة التأجيرية» وهي أن يشترك العميل والمؤسسة المالية في شراء العقار ثم تؤجر المؤسسة حصتها للعميل، وفي الوقت نفسه تبيع له كل سنة جزءاً من حصتها حتى ينتهي العقد بتمليك العميل للعقار، وهذه الطرق تخلو من الفوائد الربوية، كما أن إعادة بيع أو رهن العقار باطل شرعاً لأمرين أولهما أنها معاملة تنطوي على قرض جديد بفائدة ربوية والربا محرم شرعاً، وثانيهما أن الفقه الإسلامي يقول «لو رهن الشخص المرهون بدين آخر غير الأول بدون إذن المرتهن لا يصح»، ولو بإذن يصح الرهن الثاني ويبطل الأول.
وكذا إذا باع الراهن الشيء المرهون يصير الثمن رهناً لا يجوز التصرف فيه، فإذا أذن المرتهن للراهن بالبيع والتصرف في الثمن سقط حقه في الرهن، وبالتالي يكون القرض خالياً من الرهن، بجانب ذلك فإن كل ما يحدث عبارة عن فوائد ربوية وهي محرمة شرعاً بل من أشد الجرائم الاقتصادية، ولأن الربا هو الذنب أو المعصية التي توعد الله فاعله بأكثر من عقوبة كالمحق وذهاب البركة وذلك لقوله تعالى {يمحق الله الربا ويربي الصدقات}، وأيضاً الإصابة بالأزمات النفسية لقوله تعالى {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} وأيضاً قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}، ولذلك فإن ما يحدث حالياً عبارة عن حرب في صورة إعصار مالي عالمي على جميع المؤسسات الربوية والمتعاملين معها.
إذن.. كيف يمكن مواجهة تداعيات الأزمة من منظور إسلامي؟
يمكن تحقيق ذلك بعدة طرق أهمها تعديل أسلوب التمويل العقاري ليكون بإحدى الصيغ الإسلامية، ومنها أسلوب المشاركة التأجيرية، ضبط عملية التوريق لتكون لأصول عينية وليس للديون، وهو ما يتم في السوق المالية الإسلامية في صورة صكوك الإجارة والمشاركة والمضاربة، أما الديون فيمكن توريقها عند الإنشاء، ولا تتداول، وهو ما يتم في السوق المالية الإسلامية بصكوك المرابحة والسلم والاستصناع، والتي يزيد حجم التعامل بها رغم حداثتها على 180 مليار دولار، وتتوسع يوماً بعد يوم وتتعامل بها بعض الدول الغربية، ومنع أساليب المضاربات قصيرة الأجل من البيع على المكشوف والشراء بالهامش.
والجدير بالذكر هنا أن أحد أساليب مواجهة الأزمة في أمريكا وأوروبا هو تخفيض معدل الفائدة حتى وصل إلى 1%، ووضع ضوابط للمعاملات ووجود هيئات متخصصة للإشراف والرقابة على الأسواق والمؤسسات في إطار الحرية المنضبطة التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي، وفوق ذلك كله العمل على جعل الاقتصاد أخلاقياً ووضع السبل التي تساند الالتزام بالأخلاق الحميدة في التطبيق، ومن العجيب أن العالم الاقتصادي الفرنسي الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد العام 1988 كتب مقالاً مطولاً بعنوان «الشروط النقدية لاقتصاد الأسواق ؟ من دروس الأمس إلا إصلاحات الغد» سطر فيه انتقادات حادة إلى أسلوب عمل الأسواق المالية والنظام المالي الرأسمالي وتنبأ فيه بأزمات حادة والمهم في هذا المقال أنه قدم مجموعة من الإصلاحات كلها تتفق مع ما جاء به الإسلام.
بعيداً عن الاقتصاد الإسلامي والأزمة العالمية هل من الممكن تحقيق وحدة اقتصادية عربية؟
هذا الأمر تم التفكير فيه مسبقاً، ولكنه «محلك سر» وكل ما نفذ فيه هو مشروع المنطقة التجارية الكبرى أي رفع ضريبة الجمارك بين البلدان العربية، واستمرت لمدة 10 سنوات فقط، ولم تؤد إلى زيادة التبادل التجاري بين هذه البلدان، كما أن تحقيق هذه الوحدة يعد «دربا من المستحيل»، وذلك يرجع لعدة أسباب أهمها، ضعف الإرادة السياسية، عدم وجود مصالح مشتركة حيث لا توجد سلع يمكن استيرادها وتصديرها بين البلدان العربية فجميع السلع المستوردة يغلب عليها الصناعة الصينية والكورية وغيرها.
وما الاستثمار الأفضل حالياً وسيكون استثمار المستقبل؟
الاستثمار في الأصل وهي إقامة المشروعات عن طريق الدراسة وتكون بهدف النفع العام وليس النفع الشخصي، أما عن الاستثمار الأفضل وهو الاستثمار الزراعي، وذلك لطبيعة مصر الزراعية.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


