أدرك الإنسان عبر التاريخ أن صحته مرتبطة في محيطه البيئي بشكل مباشر، ولاحظ هذا بعد اختلاف أحوال بدنه وعافيته وحركته اليومية وإيقاعات نشاطه الجسماني والعقلي، وذلك لأنها مرتبطة في درجة نقاء الهواء الذي يتنفسه وبنسبة نظافة الماء الذي يتناولها، بالإضافة إلى معايير النظافة في الغذاء ومبادئ السلامة في المساحة التي يعيش فيها.

ومع هذا يظل الإنسان يتمرّد على هذه الحقيقة الثابتة، وينفي تلويث الهواء ومياه الأنهار والبحار وتدمير الغابات وتخريب الطبيعة والنظم الموضوعة فيها في حكمة بالغة، كما انه لم يراع النهضات الصناعية والعمرانية والتكنولوجية التي قام بها وتخريبها إلى رئة الأرض وطبقة الأوزون والجبال والمياه الجوفية وغيرها من أسس الحياة على كوكب الأرض، لكن الإنسان أصبح اليوم يعيد حساباته ويراجع ما جنته يداه على نفسه وذريته ومجتمعه ويتفحّص آثار فعلته ويجمع البصمات والدلائل والبراهين. وللحديث أكثر عن ارتباط البيئة في صحة الإنسان التقت «البيان» الدكتور يوسف حطيط استشاري أمراض الأنسجة والخلايا ورئيس شعبة في هيئة الصحة دبي، الذي قال: بدأت أخيراً الدراسات والأبحاث تتوسع لمعرفة وحصر الأضرار الناتجة عن تدمير الإنسان للبيئة وتتركز الدراسات حول اكتشاف الآثار الصحية لمشكلة الاحتباس الحراري، وظهور أمراض جرثومية جديدة، بسبب تغير المناخ وزيادة حرارة الأرض، وكذلك تفاقم حالات من الأمراض الجرثومية «التقليدية» التي كانت محصورة سابقاً في مناطق محددة من العالم وتعد تحت السيطرة حتى وقتنا الحاضر، ومن أهم هذه المشكلات وأصعبها هو تزايد أعداد البعوض الحامل للملاريا وتكاثره في مناطق أوسع وأبعد مدى من ذي قبل.

الامراض الجرثومية... ومشكلة انتشار الأمراض الجرثومية المنقولة عبر المياه الملوثة والمسببة للكثير من أنواع «الإسهال» ومشكلة تلوث الهواء الداخلي والخارجي، التي تؤدي إلى انتشار الكثير من أمراض الجهاز التنفسي بمختلف أنواعها من الجرثومية الحادة إلى الإنسدادية المزمنة. وأشار حطيط إلى لائحة الأمراض الجرثومية «الجديدة» والتي تدل أن البعوض بدأ يتكاثر في غير موطنه بعيداً عن أحواضها المعتادة وحواضنها في محيط الأنهار والبحيرات في آسيا وأفريقيا، فبدأ يظهر في مدن أوروبا وأمريكا الشمالية، ونتج عنه ظهور مرض «الشيكوغونيا» المسبّب للصداع وآلام المفاصل والعضلات وارتفاع درجة الحرارة ومن الممكن أن يؤدي إلى الوفاة.

مشكلات بيئية

وهناك أيضاً الكثير من العوامل والمشكلات البيئية التي تتسبب في وجود أثار صحية خاصة في الدول النامية، ومن هذه المشكلات نقص موارد المياه وعدم الحفاظ على المحميات الطبيعية، بالإضافة إلى سوء التخطيط في استخدام الأراضي ونظم الصرف الصحي والنقل وغيرها، وكل هذه الأمور مجتمعة تؤدي إلى وجود كوارث صحية واجتماعية للإنسان والمجتمع، هذا بالإضافة لما تسببه من ازدياد نسب حوادث المرور وتفاقم الحوادث المهنية والصناعية.

وقال حطيط إنه ظهر من ناحية أخرى أمراض خطيرة وقاتلة مرتبطة في عوامل بيئية بحتة كتلوث المياه وتلوث الهواء والغذاء بالمواد الصناعية والإشعاعية المسببة للسرطان، ومن هذه السرطانات الرئة وغشاؤها والمثانة والدم والدماغ والغدة الدرقية، كما لا يمكننا أن ننسى تأثير تلوث الهواء الداخلي والخارجي في ظهور الأصناف العديدة والمتنوعة من حساسية الجلد والأنف والصدر وتأثير الاكتظاظ السكاني وسوء تنظيمه، وانتشار أمراض أخرى كالسل الرئوي والأمراض الفيروسية وغيرها.

وأشار إلى أن مشكلة تلويث البيئة والتهاون في التعامل مع النظم البيئية باتت معقدة جداً، ومازال الباحثون يحاولن إيجاد حل، وينقسمون إلى فريقين متشائم والأخر قليل التفاؤل، لأن المشكلة خرجت عن نطاق المقدور عليه وبات من خصائص التعاون الدولي، لأنه يقتضي إجراءات صارمة جداً على صعيد الصناعة العالمية وأسواق الزراعة العالمية ومصادر الطاقة ومنتديات السياسة العالمية، وقراراً شاملاش يدعو إلى وقف الحرب على الطبيعة التي ما خلقت إلا لحفظ المخلوقات.