بفرح الذكرى الجميلة، وبانجراف دائم خلف أسراب الحنين.. بعيون لامعة، وهيئة تبدو للمارة متماسكة.. بدأت الحديث عن الحب والوله، عن الشوق والذكريات، عن حياةٍ لم تقبل القسمة إلا على اثنين، وحائط استندا عليه يوماً، وبيت لم يتذوقا حلاوة سُكناه معاً بعدما غاب الزوج والحبيب عن حياتها.. بل عاشت بين جدرانه تسترجع تفاصيل تكوين الحلم، وتقلب وجوه الزمن الذي توقف في لحظة حزن، أرخى ستائر سوداء على روح كانت نضرة..
اليوم.. هي ثلاثينية تثقل ذكراه كاهلها، فهو لا يزال يسكن حياتها روحاً بعد رحيله عنها جسداً.. يطيل الجلوس في أفكارها، يُزينها بصمت كلوحة فنية تزدحم بالتفاصيل الجميلة.. لا تعتقد بفكرة غيابه الأبدي، بل تستشعر وجوده في تفاصيل الذكرى، تعيد نسج خيوط اللقاء الأول.. تعانق لحظات التعارف والارتباط.. تطرزها بأحاسيس صنعها خصيصاً لها، وتعيد ارتداءها بعد غيابه، وكأنها تتجمل أمام مرآته..
لا يمضي اليوم دون الكلام عنه، أو اقتباس حديث قاله ذات فرح أو غضب أو خيبة، أو ممارسة عادةٍ يحبها، هو حاضر بروحه التي عرفت وعشقت، تنذر أيامها ونفسها له، وتنتظر لقاءه في الحياة الأخرى، فلا شيء ينقص تلك الحياة سواه.. ولا شيء غيره يملأ مكاناً فاض به حباً.
بعد حين.. اجتازت نهر الأحزان، واستعادت حاسة التأمل.. خرجت من تجربة الترمل تلك بتفسير آخر للحياة.. وانطباع جديد عن الموت، بالنسبة لها.. الأموات أحياء، نقدر على استعادتهم.. نتحسس آثارهم، نهذي بهم في الكلام والصمت..
تقاطع
في ذات المنطقة.. وفي اتجاهين متعاكسين تقبع نقطة تقاطع الأموات الأحياء ممن غادروا الحياة مع الأحياء الأموات، من هم على شفا حفرة من الغياب الجسدي بعد موت داخلي راكمته يد الزمن، فهم تقريباً حكموا على أرواحهم بموت الإحساس، واتخذوا أماكنهم على هامش المشاعر، بالكاد وجودهم محسوس، ولا آثار إيجابية في المحيط الملموس، يزاحموننا في الهواء والفراغ، ويقاسموننا اتساع السماء وأشعة الشمس وتقلبات الطقس عبثاً، ويجثمون على أنفاس فرص الآخرين ممن يمتلئون حياةً ونضارة.
تُفسر العقيدة الإسلامية الموت بوجوه عدة، ولا تقتصره على التذكرة والموعظة برحيل من دنيا فانية إلى آخرة خالدة، بل تجعله الاستراحة الفاصلة بين حياتين، بينما يخفق الفكر الإنساني في تجاوز مفهوم الموت كنهاية، وقلة تتجاوز بإيمانها دموعاً تُذرف حزناً على زمن حال بينهم وبين أحبائهم.
وجوه
للموت وجوه متعددة، وأقنعة يختبئ خلفها بصورة جزئية أو كلية، كالمرض تماماً.. له أعراض تميزه.. يمر بمراحل ودرجات متفاوتة الخطورة، الموت الوظيفي أحد تلك الأوجه التي توقف عندها الزمن.. ودفنت تحت تربته الرغبة بالتحليق نحو آفاق أرحب، الموظفون القابعون منذ سنوات وعقود على كراسيهم يستنشقون غبار المهام الروتينية، والغياب لديهم والحضور سيان، «المهم ينزل الراتب آخر الشهر».
أول ما تستدعيه الذاكرة صورة المعلمة التي ما زالت ترتدي ثياب سنة أولى تدريس بعد مضي عقد من الزمن على بدء مهمتها.. بينما يزدحم دولاب الحياة بالمناسبات السعيدة، تمضي هي مع أساليب التدريس المهترئة، والحشو ونسخ جدول الضرب، والتذمر الدائم من أنظمة تعليمية عقيمة، تئد العلماء والعباقرة الصغار. حذار.. تلك أعراض موت داخلي للحافز الوظيفي، فكم من عقدة خلفها معلم الرياضيات في نفوس طلبته إثر فقدان الحافز وموت الطموح؟
حيوات
يُقال العمر مرة، ويبدو الحياة مرات. على غرار الموت الوظيفي هناك حيوات وظيفية، أبطالها المحظوظون أولئك الذين يولدون على كراسيهم مراراً، أصحاب المعجزات.. والخبرات، تموت الأشياء من حولهم، وتُستبدل بأخرى جديدة، توضع في عهدهم الخطط الخمسية وتُنجز العشرية ويبقون هم شاهدين على مخاض الحياة وسكرات الموت.. نجاحات يخلدونها وإخفاقات يدفع ثمنها آخرون، يعيشون زهو اللحظة وأمجادها..
تحية لأمواتنا الأحياء.. في الأماكن والذكريات، والإنجازات.. في الأحاديث والوجوه، في إرث خالد وحنين جارف إلى زمن أوقدوا شموعه بروحهم.. وعزاء للأحياء.. البادية عليهم علامات موت الطموح.. ووأد فرص من يستحق الحياة أكثر منهم.
أمل الفلاسي
