على الرغم من أن مصر بدأت الاهتمام بإصدار صحف بلغات أجنبية منذ نهاية القرن الثامن عشر وبلوغ هذه الصحف قمة الازدهار في القرن التاسع عشر.إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه من جديد في الألفية الثالثة: هل هذه الصحف بالفعل استطاعت أن تؤدي الغرض الذي أنشأت من أجله؟

وهل هي موجهة لخدمة فئات بعينها مثل الناطقين بغير اللغة العربية المتواجدين بكثافة في مصر وباعتبار أن مصر تمثل رابطة لحضارات مختلفة؟والأهم من ذلك هل لهذه الصحف خاصية محددة من خلال مساحة أعلى في مجال حرية النشر؟ ومدى رواجها في مواجهة الصحف الأجنبية الناطقة بلغات أجنبية وتتوفر في مصر بشكل متواصل؟..

مهنية

يجد المتابع لهذه الصحف منها الحكومية وغير الحكومية أنها تسير مهنياً في نفس نهج الصحف العربية التي تصدر في مصر من خلال التركيز على مساحة للمقالات ونقل الأخبار ومتابعة أوضاع السياسة والاقتصاد والثقافة، كما هي صحف لها روادها، وإن كانت «الأهرام ويكلي» تستحوذ على أغلب القراء من الناطقين بغير اللغة العربية أو المهتمين بقراءة هذه الصحف باعتبارها تتناول القضايا المطروحة في الساحة المصرية بشكل يختلف كثيراً في شكل التناول بالنسبة للصحف الأخرى. حيث تجدها تهتم بانعكاسات الخبر على دول أخرى سلباً أو إيجابياً مع عدم الإسراف في التفاصيل، في الوقت الذي تجد فيه أن كثيراً من الصحف المحلية الناطقة بالعربية تهتم بالتفاصيل كثيراً، وكذلك تهتم بشئون المعنيين بها أي الناطقين بغير العربية إذا كان الأمر يتعلق بحياتهم في مصر أو ما يهم بلادهم.

وبالعودة إلى تاريخ ظهور هذه الصحف، تذكر إحصائية ذات صلة أن صحيفة «الاجيبشيان جازيت» تعد أقدم صحيفة مصرية صدرت باللغة الإنجليزية، ويعود تاريخ صدورها إلى يناير العام 1880 حيث تأسست في الإسكندرية من خلال خمسة مساهمين بريطانيين واستمرت الصحيفة في الصدور تحت إدارات مختلفة حتى تم في العام 1954 التنازل عنها لصالح صحيفة الجمهورية الحكومية، والتي كانت قد صدرت العام 1953.

وبالرغم من أن الصحف الناطقة بلغات أجنبية أصبحت لا تجد نفس الرواج الذي كانت تجده خاصة بعد جلاء الإنجليز من مصر وقيام ثورة 23 يوليو العام 1952 إلا أن فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي شهدت ميلاد العديد من الصحف الناطقة بلغات أجنبية حيث صدرت العام 1979 مجلة شهرية باللغة الإنجليزية تحت عنوان «إيجيبت تودي»، وبلغ توزيعها أكثر من 14 ألف نسخة شهرياً، وفى العام 1991 أصدرت الأهرام جريدة أسبوعية باللغة الإنجليزية «الأهرام ويكلي» و«الأهرام أبدو» باللغة الفرنسية العام 1994، أما العام 2005 فشهد صدور صحيفة «الديلي نيوز» اليومية.

القائمون على هذه الصحف التي تصدر بغير العربية يؤكدون أن لها قراء ملتزمين ومتواصلين معها.. مشيرين إلى أن هذه الصحف تتوجه برسالتها للقارئ الأجنبي الذي يهتم بأخبار مصر المحلية بدلاً من البحث عنها من خلال مصادر إعلامية أخرى.

حرية الصحافة

وأشاروا إلى أن هذه الصحف أكثر التزاما بالممارسات المهنية باعتبارها ملتزمة بالقواعد المهنية المتعارف عليها.. مشيرين إلى حرصهم على نقل الحقائق بموضوعية، خاصة أن مفهوم الرقابة الكلاسيكية على المطبوعات لم يعد مشكلة تعيق الحرية الصحافية في مصر.لكن القائمين على هذه الصحف اعترفوا في الوقت نفسه بصعوبة إيجاد كوادر صحافية مؤهلة للعمل في إصدار إنجليزي، وهذا ما جعل تكلفة إصدار الصحيفة أمراً مكلفاً أكثر من مثيلاتها العربية.

فيما أكد الصحافي السوداني زين العابدين أحمد أن الصحافيين القائمين على الصحف الناطقة باللغات الأجنبية في مصر يختلفون كثيراً في تناولهم للقضايا المطروحة حيث يتمتعون بكفاءة مهنية عالية، وذلك من خلال إطلاعهم المستمر على الدوريات الأميركية والأوروبية، وتأثرهم الواضح بالفهم المتقدم للصحافة في هذه الدول من حيث التناول المهني، بعيداً عن الشخصنة لكثير من المسائل المهمة التي تحتاج إلى التزام مهني وأخلاقي، وقال: هذا بدوره شكل إضافة حقيقية لهؤلاء، كما أن صدور مثل هذه الصحف في مصر يتطلب مهنية عالية والتزاماً صارماً لمنافسة الصحف والدوريات الأميركية والأوروبية وغيرها، والتي توزع في مصر بشكل منتظم ومتزامن مع صدور الصحف المصرية غير العربية.

وقال زين العابدين إن وجود صحف أجنبية تأتي من دول كبرى وتوجد جنباً إلى جنب مع صحف مصرية غير ناطقة بالعربية في الأسواق المصرية يعني أن باب الاختيار مفتوحاً أمام القارئ الأجنبي لقراءة أي منها، ورغم هذا الاختيار استطاعت الصحف المصرية الناطقة بغير العربية أن تفرض وجودها من خلال تلك المعايير المهنية التي تلتزم بها، والكفاءة العالية للقائمين عليها، وهذا أتاح لها أيضاً استغلال المساحة العالية من الحرية للتعبير، أو لتناول القضايا خاصة الساخنة والحساسة في مصر.

مبررات

إلى هنا تؤكد الكاتبة فريدة النقاش أن هذه الصحف مقارنة بنوعيات أخري من الصحف تتمتع بمصداقية عالية، على العكس من بعض الصحف المحلية التي تصدر باللغة العربية وقد تجد أحياناً مبررات لعدم إيراد الحقائق كاملة فيما تعتمد الصحف المعارضة والحزبية على التهويل وتضخيم الأمور وأحياناً المبالغة، ولكن الصحف الناطقة بغير العربية خاصة «الأهرام ويكلي» تدرك نفسية القارئ الأجنبي باعتباره القارئ لها في المقام الأول، وهذه الشريحة تفهم جيداً الأحداث التي تدور في مصر؛ ولذلك ليس هناك مجال للمغامرة بالخروج عن المصداقية وفقدان قارئ مهم قصد من خلال هذه الصحف مخاطبته.

ولكن أصحاب محلات بيع الصحف في مصر خاصة في الأماكن التي يقطنها كثير من الأجانب أشاروا إلى اهتمام الأجانب بالصحف الأجنبية التي تصدر من أمريكا وأوروبا مثل الصنداي تايمز والغارديان، ورغم توفر هذه الصحف الوافدة إلا أن الأجانب يحرصون على شراء الصحف المصرية الناطقة بلغات أجنبية أيضا، وقالوا إن هذا يرجع لعلمهم بأنها تصدر عن مؤسسات كبيرة جداً.

وأشار الحاج محمد صاحب إحدى المكتبات بوسط القاهرة إلى أن شراء الصحف المصرية الناطقة باللغات الأجنبية لم يكن وقفا على الأجانب فقط، لكن كثيراً من المصريين والعرب والأفارقة يقبلون عليها، وإن القارئ الأجنبي من أهم الشرائح التي تقبل عليها.

وأضاف أن أغلب الأفارقة الناطقين بالفرنسية أيضاً دائماً ما يسألون عن صحف مصرية ناطقة بالفرنسية والناطقين بالإنجليزية يسألون عن صحف ناطقة بلغتهم، ولكن في كل الحالات تنفد هذه الصحف من منافذ البيع قبل منتصف النهار ولا يوجد منها مرتجع في أغلب الأحيان.

إضاءة

تؤكد الكاتبة الصحافية فريدة النقاش أن الصحف المصرية الناطقة بالانجليزية تغطى بشكل جيد وموضوعي المشهد المصري من كل زواياه.

* مشيرة إلى أن الساحة في مصر تحتاج إلى المزيد من هذه النوعية من الصحف، خاصة أن مصر دولة مؤثرة جداً في الساحتين الإقليمية والدولية.

* مصر تضم عدداً كبيراً من الجاليات في كل أنحاء الجمهورية، وهؤلاء متابعون للشأن المصري بشكل جيد، ويحتاجون إلى صحف تخاطبهم وتعبر عنهم أو تتناول شؤونهم.

* الحرية نسبية في كل شيء والرقابة على الصحف في مصر لم تكن عائقاً لممارسة المهنة يوماً ما.

* هذه الصحف المصرية الناطقة بلغات أخرى ليست صحف إثارة بقدر ما هي معنية بدور محدد ومهم في مخاطبة المعنيين بها وتلبية احتياجاتهم في هذا الجانب.

* على العكس من بعض الصحف المحلية التي تصدر باللغة العربية التي تجد أحياناً مبررات لعدم إيراد الحقائق كاملة فيما تعتمد الصحف المعارضة والحزبية على التهويل وتضخيم الأمور وأحياناً المبالغة.

* الصحف الناطقة بغير العربية خاصة «الأهرام ويكلي» تدرك نفسية القارئ الأجنبي، وهذه الشريحة تفهم جيداً الأحداث التي تدور في مصر.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية